لقنهم إياها خالد بن الوليد رضي الله عنه لما وصف من معه ممن فتح بهم العراق، فغدت شرطا في كل داعية، في كل جيل.
قال للفرس:
(قد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة) (1) .
وصاغها لهم عبد الله بن المبارك إمام الحديث، وبطل الجهاد، في بيتين كان يتمثل بهما كلما خرج لصالحة فيقول:
بغض الحياة وخوف الله أخرجني
وبيع نفسي بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقى ليعدله
ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا (2)
لا تشتغل بترهات
فكذلك قاموس لغة الدعاة، يتطور ويتنامى، ويضيف كل جيل منهم جديدًا إلى اصطلاحات صفاتهم.
وضع بعضهم كلمة الحرية في الاستعمال لما قال:
* كن أبدًا حرًا أبيا*
وأضاف آخر الأمل لما قال:
* لنا غد والأمل *
وزاد الثالث:
* دينه لنا وطن *
* ونستخف بالمحن *
وقبلهم وضع خالد اصطلاح: (الحرص على الموت) .
وأضاف ابن المبارك: (بيع النفس) .
ويطالعنا الآن الزاهد رويم باصطلاح لما طلب منه صاحبه أن يوصيه فقال:-
(هو بذل الروح، وإلا فلا تشتغل بترهات) (3) .
والأمر كذلك والله.
لا تعود هذه الأمة إلى إسلامها إلا بدعوة تؤسس ابتداء على بذل الروح، وإلا فإن الأماني مما دون ذلك، والتعويل على احتمال سماع أئمة الكفر لوعظنا، واللغة الدبلوماسية، لا تعدو أن تكون ترهات فحسب.
ويا لها من صرخة في المشرق كان يمد ابن الجوزي بها صوته على شاطئ دجلة ببغداد، ويهتف:
(أول قدم في الطريق: بذل الروح....
هذه الجادة، فأين السالك؟) (4) .
ولا زالت أجيال فتيان صباح الوجوه في كل قطر تجيبه أن: نحن السالكون، إلا قد بلغت، وأنا لنشهد.. بلغتنا فانتظمنا وخرجنا عن التهور، وهاهي أرواحنا ملك التخطيط الموزون، نبذلها متى شاء بإذن الله.
وفي زمنها كانت تجاوبها فصاحة مغربية تنطلق من لسان لسان الدين ابن الخطيب تؤكد أن: نعم. إن:
(1) تاريخ الطبري 3/344.
(2) تاريخ بغداد 10/166.
(3) تلبيس إبليس لابن الجوزي/183.
(4) المدهش لابن الجوزي/299.