(هو يحب الإمامة في الدين، بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إماما، يقتدي به المتقون، كما اقتدي هو بالمتقين. فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى الله أن يكون في أعينهم جليلا، وفي قلوبهم مهيبا، وإليهم حبيبا، وأن يكون فيهم مطاعًأ لكي يأتموا به ويقتفوا أثر الرسول على يده: لم يضره ذلك، بل يحمد عليه، لأنه داع إلى الله يحب أن يطاع ويعبد ويوحد، فهو يحب ما يكون عونًاا على ذلك موصلا إليه، ولهذا ذكر سبحانه عباده الذين اختصهم لنفسه واثنى عليهم في تنزيله وأحسن جزاءهم يوم لقائه، فذكرهم بأحسن أعمالهم وأوصافهم ثم قال:(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) ، فسألوه أن يقر أعينهم بطاعة أزواجهم وذرياتهم له سبحانه، وأن يسر قلوبهم باتباع المتقين لهم على طاعته وعبوديته، فإن الإمام والمؤتم متعاونان على الطاعة، وإنما سألوه ما يعينون به المتقين على مرضاته وطاعته، وهو دعوتهم إلى الله بالإمامة في الدين) (1) .
سعة التجميع تتناسب مع طاقة التربية
ولكن حب الإمامة في الدين يجب أن لا يخرجنا إلى نوع تساهل في الصفات الإيمانية والطبيعية التي نشترطها لمن يريد أن يكون مع الركب، وجيب أن يكون هناك -على طول الخط- تناسق وتوازن بين سعة التجميع وسعة طاقة التوجيه التربوي التي نملكها، فإن من أخطر الأخطار أن تتوغل الدعوة في تجميع واسع قبل أن تكون هناك صفوة من الدعاة قادرة على أن تتولى تربية كل الذين يتجمعون حولها، بل يجب أيضًا أن يبي رجال الصفوة بعض أوقاتهم لمواصلة تربية أنفسهم هم بالعلم والعبادة، وإلا قست قلوبهم من بعد لذة الابتداء، وإذا قست القلوزب فقدت شيئا من معاني الأخوة.
هذا التوازن ليس بخاص في بداية الدعوة، وإنما يجب أن يكون هو المسيطر على سعة التجميع في أدوار الدعوة كلها، وإلا تسرب الخطر.
(1) الروح، لابن القيم/252.