الصفحة 147 من 168

وليس قولنا هذا دعوة للراحة، فإن الراحة موت، ولا للبرود، فإن فيه الفوت، ولا لتحريم الاستفادة من فنون العمل التي برع فيها الجاهليون، فإن الأمر يسع الاقتباس ما لم يصادم نصا شرعيا أو عرفا أخلاقيا استحسنه المؤمنون، ولكننا ندعو إلى تقدير واقعي لطاقاتنا، وتركيز لجهودنا، وتجزئة الاستدراك بملء المجالات حسب أهميتها، فإن الجهود المبكرة للكافر المستعمر في إنشاء الأحزاب أدى إلى أن تسبق الأحزاب الدعوة الإسلامية، وساعد على ذلك حيرة المخلصين بعد إسقاط الخلافة العثمانية الشرعية، ولا يكون الاستدراك بطفرة، بل بسير موزون، ومن ثم كان (اتزان التوسع الميداني) قرين ( اتزان التوسع العددي) في الوقاية من المصارع، وارتباط التأثير بكثافة المسموع والمنظور في الظاهرة التربوية يوجب مراعاة هذه الكثافة المتناسبة مع سعة الميادين التي تتوزع عليها تناسبا عكسيا، والتي تكثف كلما قلت الميادين.

والتاريخ القريب يرينا وقوع بعض أجزاء الحركة الإسلامية في مثل هذا التوزع والشمول المستعجل كرد فعل لكثافة الأحداث السياسية، والتنامي الحزبي إذا لجأ الدعاة إلى معاركة الجاهلين في النقابات، والاتحادات المهنية والنوادي الأدبية، وعموم المرافق الاجتماعية، في وقت كان عدد أصحاب الكفاية والدربة فيه قليلا، وكان النظر المتزن يوصي بالإلحاح في التربية الداخلية، وتعميق الإيمان، وتمتين الصف بغرس معاني الطاعة والالتزام، قبل ولوج جولات التنافس.

إن الداعية الفقيه لا يستفزه تغلب الملحد القوى إن كان هو ضعيفا، بل يكظم غيظه، ويصبر، ويبدأ يعمل في انتظام، ويطلب لرجله قبل الخطو موضعها من الأرض الصلبة.

التطوير ينطلق من المعاناة

وحماسة المتحمسة من الدعاة لا تثمر على إطلاقها، فإنها محكومة بالواقع في بعض جوانبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت