الصفحة 164 من 168

يسهل على كثير أن يتخيلوا، ولكن ليس كل خيال يدور بالبال يستطاع تصويره أقوالا باللسان، وإن كثيرين يستطيعون أن يقولوا، ولكن قليلين من هؤلاء يثبتون عند العمل، وكثير من هذا القليل يستطيعون أن يعملوا، ولكن قليلا منهم يقدرون على حمل أعباء الجهاد الشاق، والعمل العنيف، وهؤلاء المجاهدون، وهم الصفوة القلائل من الأنصار، قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله، وفي قصة طالوت بيان لما أقول:

فاعدوا أنفسكم، وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة، والاختيار الدقيق، وامتحنوها بالعمل، القوى البغيض لديها، الشاق عليها، وافطموها عن شهواتها ومألوفتها وعاداتها) (1) .

وورث سيد رحمه الله هذا الفقه، فجعله قلقا قبيل وفاته إزاء ما يري في السودان من التوسع وامتلاء الشوارع بمظاهرات المسلمين، فأوصى من زاره من دعاة الإسلام في السودان فقال:

(يجب ألا يشغلكم إقبال الجماهير عن تنظيم صفوفكم الداخلية وإعداد رجال يواجهون الشدائد ويثبتون) (2) .

والحقيقة أن أهمية الصف الداخلي المتين لا تنحصر في معطيات صفته التنظيمية وسهولة استثمار طاقاته المنسقة، بل في تحقيقه (المجتمع التربوي) الذي يحتضن الجديد المتربي ويريه زيادة المناظر الإسلامية ويحجب عنه رؤية الجاهلية والجاهلين وسماع أقوالهم، فيبعد عن التأثر بتربية أخرى غير إسلامية، ولمثل هذا أوجب الغزالي رحمه الله المسارعة إلى كبت الفسق وحجبه لئلا يؤثر منظره في نفوس المسلمين، وقال:

(إن مشاهدة الفسق تهون أمر المعصية على القلب، وتبطل نفرة القلب عنها) (3) .

(1) المؤتمر الخامس/ مجموعة الإمام/ 258.

(2) كتاب الشهيد سيد قطب/91.

(3) إحياء علوم الدين 2/172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت