وهذا يعني أيضا أن بقاء بعض الفسق - بمعناه الشرعي- عالقا بالأشخاص الذين تجمعهم، لعجز كفاياتنا وطاقاتنا التربوية التوجيهية عن إزالته عنهم وتحويلهم عنه لكثرة عددهم، سوف يؤدي إلى احتمال سريان عدواه إلى العناصر النظيفة، لما في العيش الجماعي من المشاهدة التي تؤدي إلى التقليد.
وعلى ذلك، فإن جولات الداعية الضرورية بين الجماهير العامة مثلما تؤدي إلى تربيته عمليا، وإلى إغناء الدعوة بالعناصر الجديدة التي يكتشفها، فإنها تؤدي أيضًا إلى احتمال تهوين أمر المعصية على قلبه إذا انقطع إليهم انقطاعا طويلا، لكثرة المعاصي في حياة العامة، فوجب تردده على مجتمع الدعاة الصافي ليري من مناظر الإيمان ما يضاد مناظر الفسق، ويكون جائلا بين هذا المجتمع العام، وبين هذا المجتمع الخاص الذي يرفق قلبه إن أضر به الأول، وهذا ما يؤدي بالتالي إلى الحرص على نقاؤة هذا المجتمع الخاص ليؤدي مهمته التربوية هذه لكل داعية متجول بين العامة حين يفئ إليه، والنقاوة لا تحصل إلا باتزان التوسع.
فكما أن التوسع السريع يستهلك الطاقة الحاضرة، فإنه يضعف الناتج القديم.
دور التجمع في التربية التكميلية
والداعية الحر، المتفاعل مع التطورات والحاجات اليومية للحركة الإسلامية، يري عمر بن الخطاب رضي الله عنه واقفا أمامه في كل لحظة، وهو يدعو دعاءه المشهور:
(اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر، وعجز الثقة) .
فترتعش عضلاته رهبة، ويهفو قلبه رغبة، ويسارع ليتخذ من الإمكانيات التربوية العمل الجماعي، ما يرضي به ظن أبي حفص الفاروق، فيعكف على توعية الأمين العاجز الساذج، وترقيق قلب ذي الجلادة الشغول المتهاون بأمر بعض الأعمال الإيمانية، ليزداد -بهذا السد للنقص- عدد الثقات الذين يجمعون بين الوعي والجلادة.