الصفحة 29 من 168

كفر أصغر لا يخرج صاحبه من الإسلام.

وكفر أكبر يخرج صاحبه من الإسلام.

وعلى ضوء هذه التفرقة نستطيع أن نفهم بعض النصوص، مثل:"من حلف بغير الله فقد أشرك"فهذا شرك غير مخرج من الإسلام، وإنما هو معصية غليظة جدًا، وهكذا" (1) ."

حساسية النفس المؤمنة!

ولكن هذا الحذر في التكفير، لا يمنعنا من رؤية مدى الانحراف البالغ السعة، الذي جنح إليه معظم المسلمين.

نعم، هم من المسلمين.

لكنهم في المعاصي والغون؟، قد انحدروا إلى أدنى درجات الإيمان، وتخلفوا عن منازل الفضل.

ووراء ذلك قصة طويلة، تبدأ من يوم ما بدأت الفتوح والإدارة تستهلك تدريجيًا تلك الصفوة المؤمنة من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، المندفعة بعد موته لإتمام مهمته في نشر الدين بأروع الاندفاع، المنتشرة مثل شعاع الشمس، تفتح البلاد وتحطم الطواغيت، وتقود الناس إلى الجنة.

فما إن أتت السنوات الأخيرة من القرن الأول حتى كان نوع بطر قد سرى إلى جيل جديد ممن خلف أولئك الأفذاذ، فلانت له نفوس، وضعفت عزائم كان أولى لها أن تواصل تحطيم بقية الطواغيت.

ويهيئ الله تعالى للأمة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، بما حباه من روح عالية، فيري في مجرد ذاك البطر القليل والقعود دلالة انحراف ع ن الحق، ويستعظم أن تكون أمة الجهاد قد خف اندفاعها، فيقول حزينًا:

(إني أعالج أمرًا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه دينا لا يرون الحق غيره) (2) .

كلمة قالها عمر فيحزن عميق، مع أنه يتسلم قيادة أمة تسود، وتفيض بمعاني الخير، وتحكم نفسها عمومًا بشرع الله.

إنه استكبار واستعظام المؤمن لصغار المعاصي، وقليل البدع، وهين الظلم، وأوليات الترف.

(1) شرح الأصول العشرين/55.

(2) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم/37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت