وإنها نفس المؤمن في حساسيتها البالغة إزاء معاني العدل والظلم، والاتباع والابتداع، والبذل والدعة.
ولذلك تجد المؤمن أبدًا ساعيا في طلب الأفضل الأكمل، غير مستعد لغض بصره أو كف لسانه عن ميل.
جيلنا المخدوع
ومضت من بعد عمر قرون وأجيال، نصر الإسلام في حقب منها أبطال من القادة والمصلحين، وسادت الغفلة في حقب أخرى، حتى رأينا الأمة في يومها هذا وقد انهكتها خطط اليهود ودول الكفر، وسلبتها خيرها، بما أضعفته من إيمانها، وبدلته من موازينها، وبما أقصته من حكم قرآنها، وما فرضته وربت عليه ذراري المسلمين من تصورات مغايرة للإسلام تكسبها مختلف الأسماء وتلبسها متعدد الثياب.
فإن كان في قلب المرء بقية من إيمان، وإثارة من غيرة، يأبى معها التنصل من دينه: صرعوه بالتزوير، وخدعوه بالتمويه، فيجعلوه أسير ساسة وأدباء ومستشرقين لا فقه لهم، يتشبثون بنصوص عامة من القرآن والحديث، وربما من الحديث الموضوع، لتخرج نظم السياسة والاقتصاد تخريجا إسلاميا دون ضابط من أصول الفقه وشروط الاجتهاد.
فمحنة المسلمين اليوم لا تقتصر على تسلط أئمة الضلالة فحسب، بل تعدت ذلك إلى تربية سخرت المناهج الدراسية وكراسي الجامعات والصحف والإذاعات لمسخ الأفكار والقيم، حتى غدا صيد المخططات في سرور، يحسب نفسه في انعتاق من أسر القديم، أي قديم كان.
إن عصاة المسلمين اليوم ضحية تربية أخلدتهم إلى الأرض، أرادت لهم الفسوق ابتداء، لتستخف بهم الطواغيت انتهاء.
وإنها خطة قديمة، يأخذها الطاغونت اللاحق عن الطاغوت السابق، حتى تصل أصولها إلى فرعون، (وذلك كما يقول الله سبحانه:(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) . فهذا هو التفسير الصحيح للتاريخ، وما كان فرعون بقادر على أن يستخف قومه فيطيعوه لو لم يكونوا فاسقين عن دين الله، فالمؤمن بالله لا يستخفه الطاغوت، ولا يمكن أن يطيع له أمرًا) (1) .
(1) الظلال 9/45.