وهكذا أدركوا المقتل الذي عرفه فرعون، فتواصوا بالإفساد، وأخذوا (يحولون المجتمعات إلى فتات غارق في وحل الجنس والفاحشة والفجور، مشغول بلقمة العيش لا يجدها إلا بالكد والعسر والجهد، كي لا يفيق، بعد اللقمة والجنس، ليستمع إلى هدى أو يفيء إلى دين) (1) .
وصارت تلك سياستهم.
(سياسة محاربة المساجد بالمراقص.
ومحاربة الزوجات بالمومسات.
ومحاربة العقائد بأساتذة حرية الفكر.
ومحاربة فنون القوة بفنون اللذة) (2) .
وهكذا تحول بهذه التربية ذلك الصقر الإسلامي إلى مثل طائر الحجل في وداعته، كما يقول إقبال.
إنه الأدب والترويض الذي استعمله أئمة الضلالة.
أدب:
يسلب السرو جميل الميل
ويرد الصقر مثل الحجل
يسحر الركبان باللحن المبين
ولقاع البحر يهوي بالسفين
نومت ألحانه يقظتنا
أطفأت أنفاسه وقدتنا (3)
وأشرب الناس الذل...
إن (الإنسان- بفطرته- نفر من الذل، آب على الحيف، ولكن تحيط بالناس أحوال، وتتوالى عليهم حادثات، فيراضون على الخضوع حينا بعد حين، ويسكنون إلى الخنوع حالا بعد حال، حتى يدربوا عليه، كما يستأنس السبع، ويؤلف الوحش، ولكن يبقى في النفس ذرات من الكرامة، ومن الدماء شذرات من الجمر، فإذا دعا الداعي إلى العزة، وأذن بالحرية، وأيقظ الوجدان النائم، وحرك الشعور الهاجد: نبضت الكرامة في النفس، وبصت الجمرة في الرماد، وفاقت في الإنسان إنسانيته، فأبي وجاهد، ورأى كل ما يلقي أهون من العبودية، وأحسن من هذه البهيمية.
كل ذل يصيب الإنسان من غيره، ويناله من ظاهره: قريب شفاؤه، ويسير إزالته، فإذا نبع الذل من النفس، وانبثق من القلب، فهو الدواء الدوي والموت الخفي.
(1) الظلال 9/122.
(2) وحي القلم للرافعي 2/258.
(3) كتاب (محمد إقبال) لعبد الوهاب عزام/162.