الصفحة 39 من 168

ولئن رأى الحاضر من البشرية إقصاء الإسلام عن الحياة فما ذاك إلا كما تكسف الشمس. والذي حصل من الاضطراب والظلم والفساد بإقصائه لدليل لأولى الأبصار يميزون به صواب ما نقول من كون الإسلام جزئية لابد منها في نظام الكون البديع يختل بدونه.

وكما تأوى الطيور إلى أعشاشها حين تكسف الشمس ظهرًا، وتعرف بفطرتها إن ثمة شذوذا قد حصل، وأن الغروب لا يزال بعيدًا، ويكون لها الشعاع الضئيل الباقي مصدرًا أمل لعودة سريعة لنور الحياة، وتظل تنتظر لا تنام، فكذلك أولو القلوب الحية، يدركون بفطرتهم أن تنحية الإسلام عن الحكم كانت حدثا هائلا غريبًا، لكنه ليس الغروب، وإنما هو حدث شاذ، وما استمرار وجود عصبة للحق باقية -مهما كانت ضئيلة- إلا مصدر أمل لعودة الإسلام إلى الحياة، بل دلالة أكيدة على أنه سيعود إلى الحياة، ويرجع من أبق وتمرد من البشر إلى الرب الرحيم، ويستفيق ضحايا تربية الترويض، فإذا هم مستمسكون بالنهج القويم.

(لقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها، ونكبة قاصمة في حياتها، نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرًا في كل ما ألم بها من نكبات.

لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعدما فسدت الأرض، وأسنت الحياة، وتعفنت القيادات، وذاقت البشرية الويلات من القيادات المتعفنة، و (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) .

تسلم الإسلام القيادة بهذا القرآن، وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن، وبالشريعة المستمدة من هذا التصور، فكان ذلك مولدًا جديدًا للإنسان أعظم في حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته، لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورًا جديدًا عن الوجود والقيم والنظم، كما حقق لها واقعًا اجتماعيًا فريدًا، كان يعز على خيالها تصوره مجرد تصور، قبل أن ينشئه لها القرآن إنشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت