نعم! لقد كان هذا الواقع من النظافة والجمال، والعظمة والارتفاع، والبساطة واليسر، والواقعية الإيجابية، والتوازن والتناسق، بحيث لا يخطر للبشرية على بال، لولا أن الله أراده لها، وحققه في حياتها، في ظلال القرآن، ومنهج القرآن وشريعة القرآن.
ثم وقعت تلك النكبة القاصمة، ونحي الإسلام عن القيادة، نحي عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى، في صورة من صورها الكثيرة، صورة التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم، كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش واللعبة الزاهية الألوان) (1) .
لكنها تنحية لن يسكت عنها دعاة الإسلام.
والطفل يجب أن نفتح له ذهنه ونريه حقائق الناموس الكوني.
إن المسلم أعز من أن يعتقد أن لصيق الأرض بإمكانه النطق بالصواب.
وإنما الصواب عنده ما نزل من السماء.
ولن يعدو هذا التنزيل، ولا يتجاوزه، بعد إذ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(لا أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل) (2) .
رفعت الأقلام وجفت الصحف.
كل شيء ما خلا الله باطل.
لا منهج إلا منهج الله، وكل عبادة لسواه باطلة.
وهذا هو الذي عناه ربعي بن عامر حين قال لرستم:
(الله جاء بنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله) (3) .
فإن (الإسلام هو منهج الحياة الوحيد، الذي يتحرر فيه البشر من عبودية البشر) (4) ، (فإذا أحنوا رؤوسهم فإنما يحنونها لله وحده، وإذا أطاعوا الشرائع فإنما يطيعون الله وحده، وإذا خضعوا للنظام فإنما يخضعون لله وحده، ومن ثم يتحررون حقا من عبودية العبيد للعبيد، حين يصبحون كلهم عبيدًا لله بلا شريك) (5) .
سجدة الحرية
ورمزهم في كل ذلك هذه السجدة التي تعلي القلوب، كما أن رمز الجاهلين تلك السجدة للمادة والجنس مميتة القلوب.
(1) مقدمة الظلال 1/9.
(2) صحيح البخاري 5/53.
(3) تاريخ الطبري 3/520.
(4) الظلال 4/206.
(5) المرجع السابق.