الصفحة 44 من 168

(لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، وكلا القراءتين حق فإن الذي يتعدى حدود الله هو الظالم، وتارك الإنكار عليه قد يجعل غير ظالم لكونه لم يشاركه، وقد يجعل ظالمًا باعتبار ما ترك من الإنكار الواجب، وعلى هذا قوله:(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) ، فأنجى الله الناهين. وأما أولئك الكارهون للذن، الذين قالوا: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) فالأكثرون على أنهم نجوا لأنهم كانوا كارهين، فانكروا بحسب قدرتهم.

وأما من ترك الإنكار مطلقا فإنه ظالم يعذب، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه"وهذا الحديث موافق للآية.

والمقصود هنا أنه يصح النفي والإثبات باعتبارين، كما أن قوله:

"لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"أي لا تختص بالمعتدين بل يتناول من رأى المنكر فلم يغيره، ومن قرأ"لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"أدخل في ذلك من ترك الإنكار مع قدرته عليه، وقد يراد أنهم يعذبون في الدنيا، ويبعثون على نياتهم، كالجيش الذين يغزون البيت، فيخسف بهم كلهم، ويحشر المكره على نيته" (1) ."

ويلاحظ سيد رحمه الله هنا، في معرض كلامه عن الآيات التي استشهد بها ابن تيمية، إن الله سبحانه ذكر نتيجة الذين ينهون عن السوء، وهي النجاة، ونتيجة الذين ظلموا، وهي إصابة العذاب البئيس لهم، أما الذين أنكروا بقلوبهم فقط ولم ينهوا عن المنكر فإن الله سبحانه لم يبين لنا نتيجتهم ولم يقص علينا خبرهم، بل أهمل ذكرهم والإهمال نوع جزاء لمثل هذه الطائفة.

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 17/382.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت