الصفحة 45 من 168

والحقيقة أن أكثر من تكلم في هذه الآيات ذكر أن هؤلاء الذين سكتوا نالهم العذاب بسكوتهم، وشملهم العقاب، وللقرطبي في تفسيره تصريح واضح بذلك.

ووصف بعض الأفاضل هذا العقاب بأن"قانون العقاب الجماعي في سنة الله الكونية"وهو (قانون رهيب مخيف يدفع كل ذي علم وفقه، وكل ذي حكم وسلطان، إلى المسارعة، والمبادرة فورًا لتغيير المنكر، دفعا للعذاب عن الكل) (1) .

(وهذا اللزوم أشد بالنسبة للحكام، لأن بأيديهم السلطة والأمر والنهي، وأن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فإذا أصلحوا الأحوال حسب أحكام الشرع وأزالوا المنكر، وأقاموا العدل، وقضوا على أسباب المعصيات: أثابهم الله تعالى حسن ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، ومكن لهم في الأرض، وإن هم تقاعسوا عن ذلك: أنطبق عليهم حكم الله وجرت عليهم سنته، وخسروا الدنيا والآخرة، نعوذ بالله من الخذلان) (2) .

وصاحب القلب الحي يحس بفطرته الإيمانية أن الذي يعيشه ذراري المسلمين اليوم من نكسات وهزائم وتراجعات إنما هو مقدمة ونذير بين يدي ما هو أشد وأنكى من عذاب، والأمة الإسلامية اليوم لا يصدق عليها اسمها كل الصدق، فإن الانحراف قد أصابها، (ويكفي الأمة انحرافا أنها تركت الجهاد في سبيل الله، وأخلدت إلى الأرض، ورضيت بالحياة الدنيا من الآخرة، وأقبلت على الشهوات تعب منها، وأسرفت في المعاصي، حتى أذلها الله، وخذلها الخذلان الأكبر، وجعل قيادتها في أيدي المنحرفين العابثين) (3) .

ووعي هذه الحقيقة يلزم من علت همته أن يرفق بنفسه، ويرحمها، ويتجنب أن يمسه هذا القانون العقابي الرهيب.

وإنه لحصار شديد هو محاصر فيه الآن.

لا يكفيه أن يفلت من خطط ترويض الأشبال وتحويلها إلى ظباء جفولة.

بل لا يكفيه مجرد الاستعلاء.

(1) مجلة التربية الإسلامية، السنة السادسة/26.

(2) مجلة التربية الإسلامية، السنة السادسة/26.

(3) معركة الإسلام للأستاذ الصواف/24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت