ويقال أيضًا: إن الدعوة إلى الله حتى لو قلنا أنها تجب على البعض دون البعض الآخر باعتبار أنها من الفروض الكفائية، فإن الشروط للخروج من عهدة الفرض الكفائي حصول الكفاية بمن يقوم به، وما كانت الكفاية غير حاصلة، فيجب أن يقوم بهذا الواجب كل مسلم حسب قدرته) (1) .
معنى اختصاص الدعوة بالعلماء
وتعرض لمن لا فقه له هاهنا شبهات وأوهام يظن معها عدم وجوب الدعوة إلى الله.
وأمر هذه الشبهات كأمر أي بدعة، إنما تستند على نص مجمل يمكن صرفه وتأويله إلى بعض المعاني الخاصة التي يمكن أن يتحملها النص، ولكن القواعد العامة للشريعة تأبى هذا المعنى وتدل على خلافه، أو تنقضه نصوص أخرى توجب تفسيرًا آخر للنص الأول، وتكشف المعنى الزجوح فيه.
والغالب في أمر البدع أن النصوص التي يستند لها أصحابها في ترويجها هي نصوص واضحة لذي الفهم السليم، ولكن الهوى يحمل على التمحل والتكلف في صرفها عن معناها الظاهر، والهوى مسلك نفسي يظهر في صور كثيرة، وتسببه دوافع كثيرة مختلفة، وهو في هذا الموطن، موطن اعتقاد أو ادعاء عدم وجود الدعوة على جميع المسلمين، إنما يسببه في الغالب: الخوف والجبن والحرص على الراحة والأسى على تفويت بعض المنافع الدنيوية التي قد تفوت الداعية بسبب أمره ونهيه.
فمن هذه الشبهات: الفهم الخاطئ لقول العلماء إن التكليف بالدعوة مختص بالعلماء، إذ أن (العلم) شرط ذكره الفقهاء من جملة شروط الآمر الناهي، كقول الرازي:
(إن هذا التكليف مختص بالعلماء، لأن الدعوة إلى الخير: بالعلم بالخير وبالمعروف والمنكر، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء لا على الجهال، والعلماء بعض الأمة) (2) .
ومثل هذا المعنى عند القرطبي والجصاص (3) . فاشتبه الأمر على من اشتبه عليه من هاهنا.
(1) أصول الدعوة/275.
(2) تفسير الرازي 7/177، وتفسير القرطبي 4/165، وأحكام القرآن للجصاص2/29، نقلا عن أصول الدعوة/274.
(3) المرجع السابق.