الصفحة 58 من 168

والحقيقة أن هناك شيئا من الالتباس في فهم هذه المسألة بسبب كلمة"العلماء"التي فسر بها هؤلاء كلمة (وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ) الواردة في الآية باعتبار أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم.

(ولا شك أن الدعوة إلى الخير، وأعلاها: الدعوة إلى الله، مشروط لها العلم، ولكن العلم ليس شيئا واحدًا لا يتجزأ ولا يتبعض، إنما هو بطبيعته يتجزأ ويتبعض، فمن علم مسألة وجهل أخرى فهو عالم بالأولى جاهل بالثانية، ومعنى ذلك أنه يعد من جملة العلماء بالمسألة الأولى، وبالتالي يتوفر فيه شرط وجوب الدعوة إلى ما علم دون ما جهل، ولا خلاف بين الفقهاء أن من جهل شيئا أو جهل حكمه أنه لا يدعو إليه، لأن العلم بصحة ما يدعو إليه الداعي شرط لصحة الدعوة، وعلى هذا فكل مسلم يدعو إلى الله بالقدر الذي يعلمه كما سنبينه فيما بعد، ويكون هذا المعنى هو المقصود من قولهم أن الدعوة تجب على العلماء لا على غيرهم، أي على من يعلم المسألة وحكمها التي يدعو إليها، سواء كان من عامة المسلمين أو ممن نال حظا كبيرًا من العلم. وبهذا يظهر فساد قول من قال إن المقصود بالعلماء هم الذين نالوا حظا كبيرا من العلم دون سواهم، وقد يسمونهم برجال الدين، لأن هذه التسمية تصدق على كل مسلم، فهو من رجال الإسلام، وليست مقصورة على فئة منهم) (1) .

لا يتم الاعتداء إلا بالأمر والنهي

ومن الشبهات أيضًا، الفهم الخاطئ للآية الكريمة: (لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ، فيحجم الذي لا فقه له ممن يسمعها عن الأمر والنهي، ويتودد إلى الناس.

وهذا الإحجام اعتبره ابن القيم من أعظم مكايد الشيطان، فيلقي الشيطان في روع البعض (ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب التودد إلى الناس وحسن الخلق معهم والعمل بقوله تعالى: عليكم أنفسكم) (2) .

(1) أصول الدعوة/274.

(2) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان 1/130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت