ويحسن في هذا الموضع أن نقل مقالة مهمة للإمام ابن تيمية في رد هذه الشبهة، أجاد فيها وأحسن، وأغنى وكفى.
قال رحمه الله:
(قوله تعالى علوا كبيرًا:(عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) لا يقتضى ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا نهيا ولا إذنا، كما في الحديث المشهور في السنن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه خطب على منبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: أيها الناس: إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه".
وكذلك في حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعا في تأويلها:"إذا رأيت شحامطاعا، وهو متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك"، وهذا يفسره حديث أبي سعيد في مسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
فإذا قوى أهل الفجور حتى لا يبقى لهم إصغاء إلى البر، بل يؤذون الناهي، لغلبة الشح والهوى والعجب: سقط التغيير باللسان في هذه الحال، وبقى بالقلب.
و"الشح"هو شدة الحرص التي توجب البخل والظلم، وهو منع الخير وكراهته، و"الهوى المتبع"في إرادة الشر ومحبته، و"الإعجاب بالرأي"في العقل والعلم، فذكر فساد القوى الثلاث التي هي العلم والحب والبغض، كما في الحديث الآخر:"ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهو متبع، وإعجاب المرء بنفسه"، وبإزائها الثلاث المنجيات:"خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضى"، وهي التي سألها في الحديث الآخر:"اللهم إني أسألك خشيتك في السر والعلانية، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الفقر والغني".