الصفحة 6 من 168

هذه هي التوثيقات التي أوردها ابن حجر خلال ترجمة إبراهيم في تهذيب التهذيب، ويمكننا أن نضيف لها توثيقات أخرى تؤخذ بالقرينة من نفس الترجمة، فقد ذكر أن إمام الكوفة سفيان الثوري، المعاصر لابن أدهم، قد روي عنه الحديث، وكذلك الأوزاعي إمام الشام، وروايتهما وإن لم تكن دلالة توثيق كاملة، إلا أنها تلقي في القلب نوع اطمئنان.

ومن القرائن الأخرى أيضًا: أن الترمذي روي له في باب الطهارة من سننه حديثا معلقا، وما هي بدلالة توثيق كاملة، نقولها مرة أخرى، لكنا نعرف أنهم كانوا يتجنبون أصحاب البدع العظيمة والعقيدة الفاسدة.

ولهذا نجد ابن تيمية قد سبقنا، فشهد لابن أدهم، وقال: (أما المستقيمون من السالكين، كجمهور مشايخ السلف، مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم...) (1) .

وهذه تزكية طاهرة لعقيدة إبراهيم.. تتجاوز مجرد الإقرار له بالصدق.

ويهم بعضهم حين يفهمون أن توثيقات النقاد الذين ذكرناهم، لابن أدهم، تقتصر على توثيق روايته للحديث دون تزكية عقيدته، وأن أصحاب الحديث قد يروون لمبتدع صادق.

فهذا القياس لا يرد، إذ أن الصادقين أصحاب البدع، الذين أوردت المدونات الحديثة لهم شيئا من رواياتهم، كانت بدعتهم معروفة مشهورة في جيلهم، فذكرها النقاد، ونصوا على تلبسهم بها، ومع ذلك أجازوا الرواية عنهم، وجعلوا حديثهم حجة أو صالحًا للاستشهاد به، بمقدار بدعتهم، أما الذين أطلقوا فيهم القول بالتوثيق، فيشمل قولهم توثيق عقيدتهم، وأجزم بذلك وإن لم يكن بين يدي قول ناقد يقرر ذلك قاعدة، ولكنه الاستقراء الذي جعل ما أقول واضحًا لدى كل متداولي علم رجال الحديث، فإن جمع أقوال علماء الجرح والتعديل، على نحو ما أودع في كتاب تهذيب التهذيب، لم يترك أحدًا من المبتدعة إلا وذكرت بدعته في ثنايا ترجمته، إن أغفل ذكرها ناقد: ذكرها آخر ولا بد، ولم يفلت أحد من تدقيقهم.

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 10/516.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت