(قال ابن عقيل: رأينا في زماننا أبا بكر الأقفالي، في أيام القائم، إذا نهض لانكار منكر استتبع معه مشايخ لا يأكلون إلا من صنعة أيديهم، كأبي بكر الخباز شيخ صالح أضر -أي صار ضريرا- من إطلاعه في التنور، وتبعه جماعة ما فيهم من يأخذ صدقه ولا يدنس بقبول عطاء -أي هدية من رجال الحكم- صوام النهار، قوام الليل، أرباب بكاء، فإذا تبعه مخلط رده، وقال: متى لقينا الجيش بمخلط: انهزام الجيش) (1) .
وكذلك الوعي والفقه الصحيح والتمييز حين يكون.
وبدون مثل هذه الشروط الصعبة تغدو الجماعة الإسلامية مأوى للضعفاء، وتفقد صلابتها، ويحرمها الله نصره.
وإن مثل هذه النصوص لهى اكتشافات ثمينة يجب أن تأخذ دورها في الفقه الحركي لتبين أصوله التي استمد منها.
لا يشترط إذن السلطة
وقد تطرق الغزالي فبحث أمر جواز تكوين جماعة للأمر بالمعروف من ناحية موضوعية، ودلل على عدم اشتراط الشريعة إذن السلطة في ذلك، وأن ذلك الأوفق للقياس.
قال رحمه الله:
(قال قائلون: لا يستقل آحاد الرعية بذلك، لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن، وهيجان الفساد، وخراب البلاد.
وقال آخرون: لا يحتاج إلى الإذن -وهو الأقيس- لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف، وأوائل درجاته تجر إلى ثوان، ثم إلى ثوالث، وقد ينتهي لا محالة إلى التضارب، والتضارب يدعو إلى التعاون، فلا ينبغي إلا أن نبالي بلوازم الأمر بالمعروف، ومنتهاه: تجنيج الجنود في رضا الله ودفع معاصيه.
ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار، قمعا لأهل الكفر، فكذلك قمع أهل الفساد جائز، لأن الكفار لا بأس بقتله، والمسلم إن قتل فهو شهيد، فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله، والمحتسب الحق إن قتل مظلوما فهو شهيد.
(1) تلبيس إبليس لابن الجوزي/145.