ثم تحول التاريخ.. تحول حين استقرت هذه الحقيقة الهائلة في قلب ذلك الرجل الواحد. تحول على النحو الذي يعرفه الأصدقاء الأعداء!
هذه الحقيقة التي استقرت في قلب ذلك الرجل الواحد ما تزال قائمة قيام السنين الكونية الكبرى.. وهذه البشرية الضالة قائمة كذلك وقد عادت إلى جاهليتها!
وهذا هو الأمر في اختصار وإجمال...
توجد نقطة البدء، نقطة استقرار هذه الحقيقة في قلب.. في عدة قلوب.. في قلوب العصبة المؤمنة.. ثم تمضى القافلة في الطرق. في الطريق الطويل.. الشائك.. الغريب اليوم على البشرية غربته يوم جاءها الهدى أول مرة -فيما عدا بعض الاستثناءات- ثم تصل القافلة في نهاية الطريق الطويل الشائك كما وصلت القافلة الأولى.
لست أزعم أنها مسألة هينة، ولا أنها معركة قصيرة.. ولكنها مضمونة النتيجة.. كل شيء يؤيدها.. كل شيء حقيقي، وفطري، في طبيعة الكون، وفي طبيعة الإنسان.. ويعارضها ركام كثير، ويقف في ريقها واقع بشري ضخم، ولكنه غثاء!
ضخم نعم.. ولكنه غثاء!) (1) .
(إن نقطة البدء الآن هي نقطة البدء في أول عهد الناس برسالة الإسلام.. أن يوجد في بقعة الأرض ناس يدينون دين الحق، فيشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.. ومن ثم يدينون لله وحده بالحاكمية والسلطان والتشريع، ويطبقون هذا في واقع الحياة.. ثم يحاولون أن ينطلقوا في الأرض بهذا الإعلان العام لتحرير الإنسان) (2) .
(إنه لا بد من طليعة تعزم هذه العزمة، وتمضى في الطريق) .
(والثلاثة يصبحون عشرة، والعشرة يصبحون مئة، والمئة يصبحون ألفا، والألف يصبحون اثنى عشر ألفا) (3) .
(1) الإسلام ومشكلات الحضارة لسيد قطب/191.
(2) في ظلال القرآن 10/191.
(3) معالم في الطريق 9/118.