فهرس الكتاب

الصفحة 1010 من 2522

صفحة رقم 48

كانت القوة للمشركين جاز أن يهادنهم عشر سنين ولا تجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإنه صالح أهل مكة مدة عشر سنين ثم إنهم نقضوا العهد قبل انقضاء المدة.

وقوله تعالى: ( وتوكل على الله( يعني فوض أمرك إلى الله فيما عقدته معهم ليكون عونًا لك في جميع أحوالك ) إنه هو السميع ( يعني لأقوالهم ) العليم ( يعني بأحوالهم: قوله عز وجل: ( وإن يريدوا أن يخدعوك( يعني يغدروا بك قال مجاهد: يعني بني قريظة والمعنى وإن أرادوا بإظهار الصلح خديعتك لتكف عنهم ) فإن حسبك الله ( يعني فإن الله كافيك بنصره ومعوته ) هو الذي أيدك بنصره ( يعني هو الذين قواك وأعانك بنصره يوم بدر وفي سائر أيامك ) وبالمؤمنين( يعني وأيدك بالمؤمنين يعني الأنصار.

فإن قلت: إذا كان الله قد أيده بنصره فأي حاجة إلى نصر المؤمنين حتى يقول وبالمؤمنين.

قلت: التأييد والنصر من الله عز وجل وحده لكنه يكون بأسباب باطنة غير معلومة وبأسباب ظاهرة معلومة فأما الذي يكون بالأسباب الباطنة فهو المراد بقوله )هو الذي أيدك بنصره ( لأن أسبابه باطنة بغير وسائط معلومة وأما الذي يكون بالأسباب الظاهرة فهو المراد بقوله ) وبالمؤمنين ( لأن أسبابه ظاهرة بوسائط وهم المؤمنون والله سبحانه وتعالى هو مسبب الأسباب وهو الذي أقامهم لنصره ثم بيَّن كيف أيده بالمؤمنين فقال تعالى: ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ( وذلك أن العرب كانت فيهم الحمية الشديد والأنفة العظيمة والأنفس القوية والعصبية والانطواء على الضغينة من أدنى شيء حتى لو أن رجلًا من قبيلة لطم لطمة واحدة قاتل عنه أهل قبيلته حتى يدركوا ثأرهم لا يكاد يأتلف منهم قلبان فلما بعث رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) فيهم وآمنوا به واتبعوه انقلبت تلك الحالة فائتلفت قلوبهم واستجمعت كلمتهم وزالت حمية الجاهلية من قلوبهم وأبدلت تلك الضغائن والتحاسد بالمودة والمحبة لله وفي الله واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارًا لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأعوانًا يقاتلون عنه ويحمونه وهم الأوس والخزرج وكانت بينهم في الجاهلية حروب عظيمة ومعاداة شديدة ثم زالت تلك الحروب وحصلت المحبة والألفة وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل وصار ذلك معجزة لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ظاهرة باهرة دالة على صدقه ومنه قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي ) وفي الآية لدليل على أن القلوب بيد الله يصرفها كيف شاء وأرادوا ذلك لأن تلك الألفة والمحبة إنما حصلت بسبب الإيمان واتباع الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ثم إنه سبحانه وتعالى ختم هذه الآية بقوله ) إنه عزيز حكيم ( يعني أنه تعالى قادر قاهر يمكنه التصرف في القلوب فيقلبها من العداوة إلى المحبة ومن النفرة إلى الألفة وكل ذلك على وجه الحكمة والصواب.

قوله سبحانه وتعالى: ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ( روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في إسلام عمر بن الخطاب قال سعيد بن جبير ( أسلم مع النبي( صلى الله عليه وسلم ) ثلاثون رجلًا وست نسوة ثم أسلم عمر فنزلت هذه الآية ) فعلى هذا القول تكون الآية مكية كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .

وقيل: إنها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال فعلى هذا القول أراد بقوله تعالى: ( ومن اتبعك من المؤمنين ( يعني إلى غزوة بدر وقيل أراد بقوله ومن اتبعك من المؤمنين الأنصار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت