فهرس الكتاب
صفحة رقم 15
من أنواع الأرض الطيبة التي تنتفع بالمطر فتنبت به العشب فينتفع الناس به والدواب بالشرب والرعي وغير ذلك وكذلك النوع الأول من الناس من يبلغه الهدى من غير ذلك من العلم فيحيا به قلبه ويحفظه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع به وينفع غيره.
قال مسروق: صحبت أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فوجدتهم كالأخاذات لأن قلوبهم كانت واعية فصارت أوعية للعلوم بما رزقت من صفاء الفهوم.
النوع الثاني من أنواع الأرض: أرض لا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة لغيرها , وهي إمساك الماء لغيرها لينتفع به الناس والدواب وكذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة , لكن ليس لهم أفهام ثاقبة فيبقى ما عندهم من العلم حتى يجيء المحتاج إليه المتعطش لما عندهم من العلم فيأخذه منهم فينتفع به هو وغيره , النوع الثالث: من أنواع الأرض أرض سبخة لا تنبت مرعى ولا تمسك ماء كذلك النوع الثالث من الناس ليس لهم قلوبه حافظة , ولا أفهام ثاقبة فإذا بلغهم شيء من العلم لا ينتفعون به في أنفسهم ولا ينفعون غيرهم والله وأعلم.
وقوله تعالى ) فاحتمل السيل زبدًا ( الزبد ما يعلو على وجه الماء عند الزيادة , كالحبب وكذلك ما يعلو على القدر عند غليانها والمعنى فاحتمل السيل الذي حدث من ذلك الماء زبدًا ) رابيًا ( يعني عاليًا مرتفعًا فوق الماء طافيًا عليه , وهاهنا تم المثل ثم ابتدأ بمثل آخر فقال تعالى ) ومما يوقدون عليه في النار ( الايقاد جعل الحطب في النار لتتقد تلك النار تحت الشيء ليذوب ) ابتغاء حلية ( يعني لطلب زينة , والضمير في قوله عليه يعود على الذهب والفضة , وإن لم يكونا مذكورين لأن الحلية لا تطلب إلا منهما ) أو متاع( يعني أو لطلب متاع آخر مما ينتفع به كالحديد والنحاس والرصاص ونحوه مما يذاب وتتخذ منه الأواني وغيرها مما ينتفع له , والمتاع كل ما ويتمتع به.
ويقال لكل ما ينتفع به في البيت كالطبق والقدر ونحو ذلك من الأواني: متاع )زبد مثله( يعني أن ذلك الذي يوقد عليه في النار إذا أذيب , فله أيضًا زبد مثل زبد الماء فالصافي من الماء ومن هذه الجواهر هو الذي ينتفع به وهو مثل الحق.
والزبد من الماء ومن هذه الجواهر وهو الذي لا ينتفع به , وهو مثل الباطل وهو قوله تعالى )كذلك يضرب الله الحق والباطل ( فالحق هو الجوهر الصافي الثابت , والباطل هو الزبد الطافي الذي لا ينتفع به وهو قوله ) فأما الزبد فيذهب جفاء( يعني ضائعًا باطلًا والجفاء ما رمى به الوادي من الزبد إلى جوانبه.
وقيل: الجفاء المتفرق يقال جفأت الريح الغيم إذا فرقته والمعنى أن الباطل وإن علا في وقت فإنه يضمحل ويذهب )وأما ما ينفع الناس ( يعني الماء الصافي والجوهر الجيد من هذه الأجسام التي تذاب ) فيمكث في الأرض ( يعني يثبت ويبقى ولا يذهب ) كذلك يضرب الله الأمثال ( قال أهل التفسير والمعاني: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل.
فالباطل وإن علا على الحق في بعض الأوقات والأحوال , فإن الله يمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو على الماء فيذهب الزبد ويبقى الماء الصافي الذي ينتفع به , وكذلك الصفو من هذه الجواهر يبقى ويذهب العلو الذي هو الكدر , وهو ما ينفيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض كذلك الحق والباطل.
فالباطل وإن علا في وقت فإنه يذهب هو وأهله , والحق يظهر هو وأهله.
وقيل: هذا مثل للمؤمن واعتقاده وانتفاعه بالإيمان كمثل الماء الصافي الذي ينتفع به الناس ومثل الكافر