فهرس الكتاب
صفحة رقم 99
بقلبه لم ينتفع بالآيات ) وإن لكم في الأنعام لعبرة ( يعني إذا تفكرتم فيها عرفتم كمال قدرتنا على ذلك ) نسقيكم مما في بطونه( الضمير عائد إلى الأنعام , وكان حقه أن يقال مما في بطونها , واختلف النحوين في الجواب , فقيل: إن لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة الجمع فهو بحسب اللفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد , وهو مذكر وبحسب المعنى جميع فيكون ضميره ضمير الجمع , وهو مؤنث فلهذا المعنى.
قال هنا مما في بطونه وقال في سورة المؤمنين: مما في بطونها.
وهذا قول أبي عبيدة والأخفش وقال الكسائي: إنه رده إلى ما ذكر يعني مما في بطون ما ذكرنا , وقال غيره الكناية مردودة إلى البعض وفيه إضمار كأنه قال: نسقيكم مما في بطونه اللبن فأضمر اللبن إذ ليس لكلها لبن )من بين فرث ( وهو ما في الكرش من الثفل , فإذا خرج منها لا يسمى فرثًا ) ودم لبنًا خالصًا( يعني من الدم والفرث ليس عليه لون الدم ولا رائحة الفرث.
قال ابن عباس: إذا أكلت الدابة العلف , واستقر في كرشها , وطبخته كان أسفله فرثًا وأوسطه لبنًا وأعلاه دمًا فالكبد مسلطة عليه تقسمه بتقدير الله سبحانه وتعالى فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الثفل كما هو )سائغًا للشاربين( يعني هنيئًا سهلًا يجري في الحلق بسهولة.
قيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط.
هذا قول المفسرين في معنى هذه الآية.
وحكى الإمام فخر الدين الرازي قول الحكماء في ذلك , فقال: ولقائل أن يقول الدم واللبن لا يتولدان في الكرش البتة , والدليل عليه الحس فان هذه الحيوانات تذبح ذبحًا متواليًا , وما رأى أحد في كرشها دمًا ولا لبنًا بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء , وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنسانًا وإلى كرشه إن كان من الأنعام , وغيرها فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافيًا انجذب إلى الكبد , وما كان كثيفًا نزل إلى الأمعاء , ثم ذلك الذي حصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دمًا وهو الهضم الثاني , ويكون ذلك مخلوطًا بالصفراء والسوداء وزيادة المائية فأما الصفراء فتذهب إلى المرارة وأما السوداء فتذهب إلى الطحال , وأما المائية فتذهب إلى الكلية ومنها إلى المثانة , وأما الدم فيذهب في الأوردة وهي العروق النابتة في الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث.
وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فينصب الدم من تلك العروق إلى الضرع والضرع لحم غددي رخو أبيض , فيقلب الله عز وجل ذلك الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض , فيصير الدم لبنًا فهذا صورة تكوَّن اللبن في الضرع فاللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم , والدم إنما يتولد من بعض الأجزاء اللطيفة من الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش فاللبن توليد أولًا من الفرث ثم من الدم ثانيًا ثم صفاه الله سبحانه وتعالى بقدرته فجعله لبنًا خالصًا من بين فرث , ودم عند تولد اللبن في الضرع يخلق الله عز وجل بلطيف حكمته في حلمة الثدي ثقبًا صغيرًا ومسام ضيقة فيجعلها كالمصفاة للبن فكل ما كان لطيفًا من اللبن خرج بالمص أو الحلب وما كان كثيفًا احتبس في البدن , وهو المراد بقوله خالصًا هنيئًا مريئًا.
قوله عز وجل )ومن ثمرات النخيل والأعناب ( يعني ولكم أيضًا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه ) سكرًا ورزقًا حسنًا ( قال ابن مسعود وابن عمر والحسن وسعيد