فهرس الكتاب

الصفحة 1405 من 2522

صفحة رقم 120

يحذرهم أن يصنعوا مثل صنيعهم , فيصيبهم ما أصابهم من الجوع والخوف , ويشهد لصحة ما قلت إن الخوف المذكور في هذه الآية في قوله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف هو البعوث والسرايا التي كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يبعثها في قول جميع المفسرين لأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يؤمر بالقتال , وهو بمكة وإنما أُمر بالقتال لما هاجر إلى المدينة , فكان يبعث البعوث والسرايا إلى حول مكة يخوّفهم بذلك , وهو بالمدينة والله أعلم بمراده , وأما تفسير قوله تعالى: وضرب الله مثلًا قرية يعني مكة ) كانت آمنة ( يعني ذات أمن لا يهاج أهلها ولا يغار عليهم ) مطمئنة ( يعنى قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها للانتجاع كما كان يحتاج إليه سائر العرب ) يأتيها رزقها رغدًا ( يعني واسعًا ) من كل مكان ( يعني يحمل إليها الرزق والميرة من البر والبحر.

نظيره قوله سبحانه وتعالى تجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة إبراهيم ( صلى الله عليه وسلم ) وهو قوله ) وارزق أهله من الثمرات ( ) فكفرت ( يعني هذه القرية والمراد أهلها ) بأنعم الله ( جمع نعمة والمراد بها سائر النعم التي أنعم الله بها على أهل مكة فلما قابلوا نعم الله التي أنعم بها عليهم بالجحود والكفر , لا جرم أن الله تعالى انتقم منهم فقال تعالى ) فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ( وذلك أن الله سبحانه وتعالى ابتلاهم بالجوع سبع سنين , فقطع عنهم المطر وقطعت عنهم العرب الميرة بأمر رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) حتى جهدوا فأكلوا العظام المحرقة والجيف الكلاب والميتة والعهن , وهو الوبر يعالج بالدم ويخلط به حتى يؤكل , حتى كان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ذلك , وقالوا: ما هذا هبك عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان , فأذن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في حمل الطعام إليهم , وهم بعد مشركون.

والخوف يعني خوف بعوث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وسراياه التي كان يبعثها للإغارة فكانت تطيف بهم وتغير على من حولهم من العرب فكان أهل مكة يخافونهم.

فإن قلت: الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما , والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار فما وجه صحة أيقاعها عليه , وهو أن اللباس لايذاق بل يلبس , فيقال كساهم الله لباس الجوع أو يقال فأذاقهم الله طعم الجوع قلت: قال صاحب الكشاف: أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد , وما يمس الناس منها فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر , والألم بما يدرك من طعم المر البشع وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الأنسان , والتبليس به من بعض الحوادث وأما ايقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف , فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قيل فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف , ثم ذكر بعده من علم المعاني والبيان ما يشهد لصحة ما قال.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: جوابه من وجوه , الأول , أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان: أحدهما أن المذوق هو الطعام فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع.

والثاني , أن ذلك الجوع كان شديدًا كاملًا فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات فأشبه اللباس , والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق , وحالة تشبه الملبوس فاعتبر الله كلا الاعتبارين فقال فأذاقهما الله لباس الجوع والخوف , الوجه الثاني: أن التقدير أن الله عرفها أثر لباس الجوع والخوف , إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة , وأصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فوضع موضع التعرف , وهو الاختبار تقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت