الصفحة 27 من 95

الجاكمية

مقدمة

إن المرء و هو يطالع النقط التي رد فيها (المجلس العلمي) ، على ما سماها شبهات (أتباع التيار السلفي الجهادي) ، يبدو له و كأن هذا المجلس ما اجتمع إلا من أجل الرد كيف ما كان هذا المردود عليه، أحق هو أم باطل؟ و نحن من خلال هذه الصفحات، نبين المغالطات التي حاول المجلس تمريرها من أجل التلبيس على الناس، و أول ما نبدأ به التساؤل التالي:

ما المقصود بكلامكم: (الحاكمية التشريعية) : وهي التي تتعلق بإرادة الله الشرعية في الخلق، و هذه فوض سبحانه تنزيلها في الأرض للأنبياء و أولي الأمر و أهل الحل والعقد منها تُستمد (حاكمية الشعب) فالأولى (التكوينية) خاصة بالله والثانية (التشريعية) يمارسها الشعب من خلال الإمام أو من ينوب عنه في ظل المرجعية العليا للقرآن والسنة، فأتباع السلفية الجهادية يرفضون حق الشعب في الحكم و الاجتهاد في استنباط التشريعات التي لا تتناقض مع صريح أحكام الإسلام؟

فهل تقصدون بذلك أن للأنبياء ـ عليهم السلام ـ و أولي الأمر وأهل الحل والعقد حق الاجتهاد في تعطيل الحدود وإبطال الشريعة و تحليل الحرام وتحريم الحلال، أم حق الاجتهاد في ما لا نص فيه الذي لم يشهد له الشرع باعتبار أو إلغاء؟

فهذه تأصيلات قد تزيل بعض الغبش لدى القارئ و هي كافية للرد على المجلس لكن لما غابت عن الناس المعاني الحقيقية لبعض العبادات و كان للمستشرقين وأتباعهم من المتمسلمين اليد الطولى في ذلك كان من الواجب علينا في هذه العجالة أن نبين معتقد أهل السنة و الجماعة المتعلق بهذه العبادة التي صار يطلق عليها (الحاكمية) . رادِّين بذلك على الغلاة من جهة، و على الجفاة من جهة أخرى، فأهل السنة و الجماعة وسط بين الغلو و الجفاء.

مدخل

توحيد الحاكمية يعني إفراد الله تعالى وحده في الحكم و التشريع، فالله تعالى هو الحكم العدل، له الحكم و الأمر لا شريك له في حكمه و تشريعه. فكما أن الله تعالى لا شريك له في الملك و في تدبير شؤون الخلق، كذلك لا شريك له في الحكم و التشريع.

و الحَكَم: هو اسم من أسمائه، و صفة من صفاته، فمن ادعى الحق بالتشريع بما يريد إنما يدعي الألوهية عملًا ويزاولها سلوكًا، و إن كان لا ينطق بها لفظًا، و سواء كان هذا المدعي هو طبقة من الشعب أو الشعب كله، أو حزبًا، أو منظمة، أو هيئة، أو فردًا، فالنتيجة واحدة و هي انتزاع حق الله في التشريع للناس، و هذا شرك يخرج أصحابه من دين الله. إن التحاكم إلى الكتاب و السنة هو الإسلام فحسب و لهذا فالتحاكم إلى كلام البشر عن رضىً و طواعية هو خلع لربقة الإسلام من الأعناق فكل من رضي بترك كلام الله و بتحكيم كلام غيره أو تقديم كلام أي بشر على القرآن و السنة فلا حظ له في دين الإسلام، و هذا هو الكفر بعينه لا غبش فيه و لا لبس و لا خفاء.

و كل كتب الأصول تفتح باب الحكم و الحاكم بأن الحاكم هو الله وحده، و كل كتب الأصول تفتح صفحاتها بإجماع الأصوليين و الأئمة القائل: أجمع المسلمون على أن الله هو الحاكم و حده، و الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما يحكم بما أنزل الله إليه، سواء كان وحيًا متلوًا ـ القرآن الكريم ـ أو وحيًا غير متلو ـ السنة الشريفة ـ و الخليفة في الشريعة الإسلامية مفوض من قبل الأمة التي تختاره لتنفيد الشريعة الإلهية، و لا يحق له أبدًا أن يضع شيئًا يصطدم مع هذه الشريعة. والعلماء هم مجتهدون بالنظر في النصوص الإلهية لمحاولة معرفة الحكم الرباني في النوازل التي تقع أو تواجه المسلمين في حياتهم اليومية.

و لقد حاول (المجلس العلمي) إيهام القارئ بأنه يجوز وضع قوانين و إن خالفت القرآن و السنة كما هو جار اليوم حيث ردوا على ما يسمى بالسلفية الجهادية قائلين (و يعتبرون من قال بحاكمية البشر مشركًا) . و إذا كنا نؤمن بالقرآن و السنة فسنرى من خلالهما إلى أي حد أن هذا المذهب صحيح و أنه المعتمد عند أهل السنة و الجماعة قاطبة. و نحن في هذا الرد لا نخرج عن القرآن و السنة، على فهم سلف الأمة و الصحابة و التابعين، و من تبعهم بإحسان، لنبين مدى حرصنا على اتباع سبيل المؤمنين، مجتنبين بذلك منهج الخوارج المارقين و المرجئة المتساهلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت