الصفحة 28 من 95

منزلة الحاكمية من التوحيد و الإيمان

و إليك نصوص القرآن و السنة و تفسير العلماء لها دونما تحريف أو تأويل.

قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [1] .

قال الحافظ ابن كثير تحت عنوان: (لا يكون الإيمان إلا بتحكيم الرسول و الرضى بحكمه) : (يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا و ظاهرًا و لهذا قال سبحانه: {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [2] .

أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به و ينقادون له في الظاهر و الباطن فيسلموا لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة و لا مدافعة و لا منازعة كما ورد في الحديث: «و الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» [3] .

و قال ابن حزم رحمه الله: (نص لا يحتمل تأويلًا، و لا جاء نص يخرجه عن ظاهره أصلًا و لا جاء برهان بتخصيصه في بعض وجوه الإيمان) [4] .

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} [5] .

قال ابن جرير: (ألم تر يا محمد بقلبك فتعلم، إلى الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك و إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من كتب يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت يعني إلى ما يعظمونه و يصدرون عن قوله و يرضون بحكمه من دون حكم الله و قد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوت، الذي يتحاكمون إليه فتركوا أمر الله و اتبعوا أمر الشيطان) [6] .

و قال ابن كثير: ـ عند تفسيره لقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [7] ـ ... (ينكر تعالى على من خرج على حكم الله المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر و عدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء و الاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم و أهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم الياسق و هوعبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية و الملة الإسلامية و غيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل و لا كثير) [8] .

و قال أيضًا: (فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد ابن عبد الله خاتم الأنبياء و تحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق و قدمها عليه؟ فمن فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} و قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [9] صدق الله العظيم) [10] .

قال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [11] .

قال ابن كثير في تفسيرها: (هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة و تغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة و تحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله .. إلى قوله .. فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم فأخروه إلى صفر فيحلون الشهر الحرام و يحرمون الشهر الحلال ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة) [12] .

و لولا خشية الإطالة، لسردنا مجموعة من النصوص القرآنية، التي تدل على أن الله هو الذي له الحق في التشريع للناس، و أن الحاكم سواء كان فردًا أو جماعة فليس له الحق في الخروج عن النصوص القرآنية، و الأحاديث النبوية، و ما أجمع عليه علماء الأمة في الحكم بين الناس. و من ادعى لنفسه أو لغيره الحق في وضع قوانين تخالف القرآن والسنة و إجماع الأمة، فليعرض نفسه على النصوص المذكورة سابقًا ليعلم من أي الفريقين هو، من الذين آمنوا بالله أم من الذين كفروا بالله فليس تمة إلا فريقين؟ و من أفعال الله التي اختصها لنفسه و تفرد بها، حق التشريع لخلقه ووضع الأحكام و الأوامر ... و النواهي لهم، قال تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [13] و قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّه} [14] وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [15] . و أكد الله تعالى تفرده و اختصاصه بحق وضع الأحكام لخلقه بقوله: {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [16] .

و من العبادات التي أوجبها الله تعالى على عباده الحكم بشرعه و التحاكم إليه قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [17] .

وسائر الخلق حكامًا و محكومين، يجب عليهم التحاكم إلى شرع الله، و لا يصح إيمانهم إلا بذلك. فمن شرع للناس تشريعًا يخالف الكتاب و السنة فقد اتخذ نفسه ربًا من دون الله، و من تحاكم إلى هذا التشريع المخالف للقرآن و السنة فقد جعل مع الله شريكًا، و الدليل على ذلك قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ ... } [18] قال ابن كثير في تفسيرها: (أي هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم الجن و الإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحام و تحليل أكل الميتة والدم و القمار إلى نحو ذلك من الضلالات و الجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة و الأموال الفاسدة) [19] .قال ابن تيمية في شرحه لهذه الآية: (فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله و من اتبعه في ذالك فقد اتخذه شريكا لله، شرع له من الدين ما لم يأذن به الله) [20] .

قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [21] . و لو لم يكن في هذا الموضوع إلا هذه الآية، مع شرح النبي - صلى الله عليه وسلم - لهاـ كما سيأتي ـ لكانت كافية، فكيف و القرآن مليء بأمثالها؟

روى الإمام أحمد، و الترمذي، و ابن جرير من طرق، عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرَّ إلى الشام، و كان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته و جماعة من قومه، ثمَّ منَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أخته و أعطاها، فرجعت إلى

(1) سورة النساء: 65

(2) سورة النساء: 65

(3) تفسير ابن كثير:

(4) الملل والنحل: لابن حزم

(5) النساء: 60

(6) تفسير الطبري

(7) المائدة: 50

(8) تفسيرابن كثير

(9) سورة النساء: 65

(10) البداية والنهاية

(11) سورة التوبة: 37

(12) تفسير ابن كثير

(13) الأعراف: 54

(14) الأنعام: 57

(15) الشورى: 10

(16) الكهف: 26

(17) المائدة: 49

(18) الشورى: 21

(19) تفسير ابن كثير

(20) اقتضاء الصراط المستقيم

(21) سورة التوبة: 31

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت