الصفحة 29 من 95

أخيها، و رَغَّبته في الإسلام و في القدوم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقدم عَدِيّ المدينة، و كان رئيسًا في قومه طيئ، و أبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدَّث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و في عنق عَدِيّ صليب من فضة، فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: «بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، و أحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» . و هكذا قال حذيفة بن اليمان، و عبد الله بن عباس، وغيرهما في تفسير: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا. [1] .

قال تعالى: {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [2] قال الطبري رحمه الله في تفسيرها: (يقول و لا يجعل الله في قضائه وحكمه في خلقه أحدًا سواه شريكًا بل هو المنفرد بالحكم والقضاء فيهم و تدبيرهم و تصريفهم فيما شاء وأحب) . قال ابن كثير: ... (أي أنه تعالى هو الذي له الخلق و الأمر الذي لا معقب لحكمه و ليس له وزير و لا نصير و لا شريك و لا مشير تعالى وتقدس) [3] .

فهذه بعض الآيات و غيرها كثير في القرآن، توضح بجلاء و لا تدع مجالًا للشك، في أن من وضع تشريعًا يحكم به بين الناس يخالف الكتاب و السنة، فقد جعل نفسه ندًا لله و ربًا للناس. وكذلك من تحاكم من الناس إلى هذا التشريع المخالف للكتاب و السنة، فقد أشرك مع الله غيره. فأين يتجلى سوء فهمنا للنصوص و تأويلها بالغلو والتعصب لآرائنا الفاسدة كما تزعمون يا ترى؟ أليست هذه نصوص القرآن بتفسير العلماء الربانيين لها؟ أم أن الأمر كما قيل: رمتني بدائها وانسلت.

أقوال العلماء في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله

و لمزيد التأكيد على أننا نسير على منهج سلف الأمة و لا نخرج على ذلك قيد أنملة، فهذه أقوال العلماء تزيد الإيضاح إيضاحًا، و تأكد على أن التشريع للناس يخالف الكتاب و السنة و التحاكم لهذا التشريع لا يجوز، بل هو مخالف لصريح الإيمان، وإليكم بعض أقوالهم.

قال ابن حزم رحمه الله: (و أما من ظن أن أحدًا بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينسخ حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - و يحدث شريعة لم تكن في حياته - عليه السلام - فقد كفر و أشرك و حل دمه و ماله و لحق بعبدة الأوثان لتكذيبه قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [4] .

و قال ابن تيمية رحمه الله: (و الإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه و حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء) [5] .

قال الإمام الشوكاني رحمه الله: (فلنبين لك حال القسم الثاني و هو حكم أهل البلاد الخارجة عن أوامر الدولة ونواهيها إلى قوله .. منها أنهم يحكمون ويتحاكمون إلى من يعرض الأحكام الطاغوتية منهم في جميع الأمور التي تنوبهم و تعرض لهم من غير إنكار و لا حياء من الله و لا عباده و لا يخافون من أحد بل قد يحكمون بذلك بين من يقدرون على الوصول إليهم من الرعايا ومن كان قريبًا منهم، و هذا الأمر معلوم لكل أحد من الناس لا يقدر أحد على إنكاره ودفعه و هو أشهر من نار على علم ولا شك و لا ريب أن هذا كفر بالله سبحانه و تعالى وبشريعته التي أمر بها على لسان رسوله واختارها لعباده في كتابه و على لسان رسوله، بل كفروا بجميع الشرائع من عند آدم إلى الآن، وهؤلاء جهادهم واجب و قتالهم متعين حتى يقبلوا أحكام الإسلام و يذعنوا لها و يحكم بينهم بالشريعة المطهرة ويخرج من جميع ما هم فيه من الطواغيت الشيطانية) [6] .

(1) تفسير ابن كثير

(2) الكهف: 26

(3) تفسير ابن كثير

(4) الإحكام

(5) مجموع الفتاوى

(6) الواء العاجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت