الصفحة 30 من 95

قال محمد أمين الشنقيطي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [1] : (و من هدي القرآن للتي هي أقوم: بيانه أن كل من اتبع تشريعًا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد ابن عبد الله صلوات الله و سلامه عليه فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح مخرج من الملة الإسلامية) [2] .

قال محمد ابن جعفر الكتاني: (المبحث السادس: اتباع عوائد الكفار والتمذهب بمذهبهم و العمل بقوانينهم إلى ـ قوله ـ و من جملتها ـ أعني تلك القوانين ـ الحكم في القضايا النازلة بين الخلق بغير ما حكم فيها الملك الحق بل بضوابط عقلية و سياسية كفرية و آراء فكرية لم يأت بها الشرع و لا دين و لا نزل بها ملك من ملائكة إله العالمين، إلى أن قال ... ... و كيف أيتها الأمة نتمذهب بمذاهبهم و نأخذ في الدين بقوانينهم وأحكامهم أو نميل أدنى ميل إليها ونساعد في زمن من الأزمان عليها و الحق تعالى يقول في كتابه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِر ... إلى قوله ... فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [3] .

قال الشيخ حمود التويجري رحمه الله: (و ما أكثر المعرضين عن أحكام الشريعة المحمدية من أهل زماننا و لا سيما أهل الأمصار الذين غلبت عليهم الحرية الإفرنجية و هان لديهم ما أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب و الحكمة فاعتاضوا عن التحاكم إليهما بالتحاكم إلى القوانين و السياسات و النظامات التي ما أنزل الله بها من سلطان و إنما هي متلقاة عن الدولة الكافرة بالله و رسوله أو ممن يتشبه بهم و يحذوا حذوهم من الطواغيت الذين ينتسبون إلى الإسلام وهم عنه بمعزل) [4] .

قال الدكتور محمد نعيم ياسين: (و يكفر من ادعى أن له الحق في تشريع ما لم يأذن به الله بسبب ما أوتي من السلطان و الحكم فيدعي أن له الحق في تحليل الحرام و تحريم الحلال، و من ذلك وضع القوانين و الأحكام التي تبيح الزنا و الربا و كشف العورات وتغيير ما جعل الله لها من العقوبات المحددة في كتاب الله أو في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو تغيير المقادير الشرعية في الزكاة و المواريث و الكفارات و العبادات و غيرها مما قدَّره الشارع في الكتاب والسنة) [5] .

فقد كانت تلك بعض أقوال أهل العلم من السلف و الخلف و المعاصرين في موضوع الحكم بغير ما أنزل الله وكيف اعتبروا أن ذلك من الأمور التي أجمعت الأمة سلفًا و خلفًا على أنه من نواقض الإسلام والتي لا وجود للإيمان معها و ما هذا إلا نذر قليل من أقوالهم و إلا فأقوالهم كثيرة جدًا.

حكم النظم الإدارية

و لا يفوتنا ونحن نتكلم عن التحاكم، التعريج على مسألة ذكرها علماؤنا في هذا الموضوع و هي حكم الله في وضع أحكام لا تخالف الكتاب و السنة و لا جاء نص يفصل فيها.

قال الشيخ محمد أمين الشنقيطي ما نصه: (اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السماوات و الأرض وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك، وإيضاح ذلك أن النظام قسمان: إداري و شرعي: أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور و إتقانها على وجه غير مخالف للشرع فهذا لا مانع منه و لا مخالف فيه من الصحابة فمن بعدهم، و قد عمل عمر - رضي الله عنه - من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط ومعرفة من غاب و حضر ... و كاشترائه ـ أعني عمر - رضي الله عنه - ـ دار صفوان ابن أمية و جعله إياها سجنًا في مكة المكرمة مع أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتخذ سجنًا هو و لا أبو بكر فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور، ما لا يخالف الشرع، لا بأس به، كتنظيم شؤون الموظفين و تنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به و لا يخرج عن

(1) الإسراء: 9

(2) أضواء البيان

(3) النساء: 59 إلى 65

(4) من كتابه الإيضاح والتبيين لما وقع في الكثيرون من مشابهة المشركين

(5) كتاب الإيمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت