الصفحة 40 من 95

الديمفراطية

مقدمة

لقد اتخذ تغيير الأسماء و سيلة لإضفاء الشرعية على بعض المحرمات قديمًا و حديثًا، لقد سميت الخمر مشروبات روحية وسميت الربا فائدة و سمي الغناء فنًا و سميت عبادة الأضرحة زيارة الأولياء .. إلى ما هنالك من المغالطات التي يسعى أصحابها من وراءها طمس معالم الدين عروة عروة حتى لا يبقى منه إلا الرسم. كيف لا؟ و قد بلغت بهم الجرأة حتى أتوا على أمر بالغ الأهمية في ديننا، ألا و هو الحكم فنظروا يمنة و يسرة و عزموا على تنحية شرع الله عنه، فقاموا بإيجاد مسوغ لذلك، فسموا الديمقراطية بالشورى، و يا له من افتراء على الشورى، و كيف ينبغي للشورى أن تكون هي الديمقراطية و بينهما من المفارقات ما الله به عليم؟ فالشورى حكم إلهى شرعه الله العليم الحكيم، أما الديمقراطية فما هي إلا مجرد نظريات أصحابها لا يؤمنون بوجود الله، ناهيك عن أن يقروا له بالحكم. و هذا هو ما سنحاول إيضاحه في هذا المبحث.

تعريف الديموقراطية

إن معرفة مدلول الديمقراطية و حقيقتها، يتطلب منا أن نرجع إلى الموطن الذي خرجت منه، حتى لا يخدعنا المترجمون الذين لهم شبهات و شهوات و أهواء في تحريف معاني هذه المصطلحات الأجنبية، و تقديمها للناس في ثوب خادع، يستخفون به غير المتخصصين من الناس و قليلي المعرفة، لترويج هذه المصطلحات و مدلولاتها في المجتمع المسلم.

إن الديمقراطية كلمة يونانية الأصل و هي مكونة من كلمتين أضيفت إحداهما إلى الأخرى فأصبحتا كلمة واحدة أولاهما"ديموس"وثانيهما"كراتوس"فالأولى تعني الشعب، و الثانية تعني الحكم أو السلطة. فصارت هذه الكلمة المركبة من ..."ديموس كراطوس"تعني الحكم للشعب أو سلطة الشعب، فهذا بكل بساطة هو تعريف الديمقراطية.

خصائص النظم الديموقراطية

فما هي يا ترى الخصائص الأساسية للنظام الديمقراطي؟ و إن شئت قل: ما هي أركان النظام الديمقراطي؟

إن النظام الديمقراطي لا يسمى كذلك إلا إذا كان يقوم على ركنين اثنين:

الأول: هو سيادة الشعب.

و الثاني: هو الإقرار بحقوق الأفراد و حرياتهم و ضمانها.

إن الناظر في هذين الركنين ينخدع ببريقهما الخادع، لكن سرعان ما يعود إلى رشده إذا ما اطلع على خباياه و أسراره.

و أول ركن يقوم عليه النظام الديمقراطي هو سيادة الشعب، و يعني ذلك أن السلطة العليا التي تمتلك حق التشريع، والتي لا تعترف بجانبها أو فوقها ـ فيما تنظم من علاقات ـ سلطة عليا أخرى فهي (أي سلطة الشعب) سلطة تسمو فوق الجميع و تفرض نفسها على الجميع بما تملك من سلطة الأمر و النهي العليا و تنقسم هذه السلطة إلى ثلاث سلط:

أ ـ السلطة التشريعية: و مهمتها تشريع الأحكام و القوانين و تعديلها و إلغاؤها و مراقبة تنفيذها.

ب ـ السلطة التنفيذية: و مهمتها القيام بتنفيذ القانون العام أو الإدارة الشعبية.

ج ـ السلطة القضائية: و مهمتها القضاء في كل ما يعرض عليها على وفق الأحكام و القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية.

نظرية العقد الإجتماعي

و نحن نتكلم عن سيادة الشعب، فلا بأس أن نعود إلى بداية تشكل هذه النظرية و من كان وراءها، لقد تشكلت هذه النظرية في الغرب النصراني الذي كان يدين بعقيدة محرفة و شريعة مبدلة، حيث كانت ملوكهم تحكم فتظلم و تستبد بناء على أنهم أصحاب السيادة بمقتضى التفويض الإلهي لهم في ذلك، و قد ساعد الملوك على ذلك نظرية التفويض الإلهي التي اخترعت لتبرير سلطانهم المطلق، و التي تقول: إن الملوك يستمدون سلطانهم من تفويض الله لهم، سواء كان تفويضًا مباشرًا أو غير مباشر. و في ظل هذا الجو المملوء بظلم الملوك و طغيانهم، لم تكن الكنيسة بقادرة على إيجاد مخرج صحيح للناس أو حتى تقليل ظلم الملوك و طغيانهم و الحد من سلطانهم، لأنها كانت هي ركنا من أركان الظلم و الطغيان، رغم أنها كانت هي الممثل الوحيد للدين عند النصارى، الشيء الذي جعل الناقمين على هذه الأحوال يفكرون بعيدا عن الدين، و من يمثلونه عندهم في طريقة يسلبون بها كل سلطان الملوك، و لم تكن طريقتهم في هذا استبدال سيادة الملوك بسيادة الشعب كله و كان الأساس الذي بنوا عليه ذلك القول: هو نظرية العقد الإجتماعي.

و إن من أشهر القائلين بهذه النظرية"توماس هويز ـ جون لوك ـ جان جاك روسو"و من غير تعرض لتفصيلات ... و اختلاف وجهات نظرهم في بعض جوانب هذه النظرية، فإن جوهرها يقوم على تصور أن الناس في أول الأمر كانوا يعيشون حياتهم الفطرية البدائية، و كانت حياة غير منظمة، فلم يكن لهم تشريع يحكمهم، و لا دولة أو مؤسسة تنظمهم ... و معاملاتهم، و ترعى شؤونهم، و أن الناس في طور لاحق من حياتهم احتاجوا إلى التشريع الحاكم و الدولة التي تنظم أمور حياتهم، و أنهم لأجل ذلك قامت السلطة التي تحكمهم و تنظم شؤونهم و معاملاتهم، و تحفظ عليهم ما بقي من حقوقهم و حرياتهم. و السلطة حسب هذا التصور قامت بناء على الإرادة الشعبية، لذلك كان الشعب هو صاحب السيادة.

فجوهر هذه النظرية ينطلق من تصور كفري إلحادي لأن هذه النظرية، إما أنها تصورت الناس و كأنهم وجدوا من غير خالق لهم، هملًا غير منظمين، بغير شريعة هادية أو قانون حاكم، و إما أنها تعترف بوجود خالق لا فعل له إلا مجرد الخلق، أما أن يرسل الرسل إلى الناس لتعلمهم و ترشدهم و تهديهم و تأمرهم بالخير و تنهاهم عن الشر و تنظم شؤونهم ومعاملاتهم فهذا ما لا وجود له في هذه النظرية، و لو كان ذلك موجودًا ما احتاجوا إلى مثل هذا العقد الذي عقدوه.

و نحن لسنا في حاجة إلى بذل الجهد لبيان أن هذه النظرية تنطلق من تصور كفري إلحادي، إذ يكفي في ذلك أن تعلم أن"جان جاك روسو"ـ و هو أشهر من تنسب إليه نظرية العقد الاجتماعي حتى عدت نظريته بمثابة إنجيل الثورة الفرنسية العلمانية ـ هو أحد أقطاب المفكرين اللادينيين في عصره.

فيا أهل الندوة الزاعمين أن الديمقراطية هي الشورى، فهذا ركن من أركانها، و أولئك أصحابها و المنظرون لها، فهل يستوي الطيب و الخبيث؟ أم هل تستوي الظلمات و النور؟ فما لكم كيف تحكمون و بباطلكم على الله تفترون؟!! خبرونا بربكم: أمن أخص خصائص الألوهية الحكم لله الواحد القهار أم للشعب كما تزعم الديمقراطية؟ ألم تقرؤوا قول الحق جل و علا: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ... } [1] . أليس هذا أسلوب من أساليب القصر، يقصر الله فيه الحكم عليه ويعني ألاَّ حكم إلا لله؟ ألم يقل الحق جل في علاه: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ .. } [2] ؟ أما الديمقراطيون أتباع"جان جاك"فقالوا معترضين: ... (الخلق لله و الأمر للشعب) . ألم يقل الله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ... } [3] .. فماذا قالت الديمقراطية؟ قالت: احكم بين الناس بما أراد الشعب. ألم يقل الملك الحق: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ... } [4] ؟ فقالت الديمقراطية:

(1) يوسف: 40

(2) الأعراف: 54

(3) المائدة: 49

(4) الشورى: 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت