الصفحة 41 من 95

ردوا خلافاتكم إلى حكم الشعب. ألم يقل الله تعالى: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ... } [1] ؟ فقالت الديمقراطية: بل حكم الشعب الذي لا معقب له.

و لقد تكلمنا على مسألة الحكم بغير ما أنزل الله و حكم الشرع فيه بما يغني عن إعادته هنا [2] .

فيا من تدافعون عن الديمقراطية بكل ما أوتيتم من قوة، و أبيتم إلا أن تلبسوها لباس الشورى، ملبسين بذلك على أمتنا، فهذه الآيات و غيرها في القرآن كثيرة تدل دلالة واضحة لا غبش فيها على أن الحكم و التشريع، و التحليل والتحريم، و الأمر و النهي، إنما هو لله الواحد القهار. و هذه هي صورة النظام الذي يحبه الله و يرضاه و ما الشورى إلا حكم من أحكامه. أما الديمقراطية فالحكم فيها لغير الله و سواء كان هذا الغير فردًا أو جماعة أو شعبًا أو أمة فلقد سمى الله التحاكم إلى غير شرعه تحاكمًا إلى الطاغوت قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [3] . كما سمى الله حكم غيره حكم الجاهلية فقال تعالى: ... {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [4] فجعل الله الحكم هنا ثنائيًا: حكم الله و هو أحسن حكما ً لمن كان له عقل، و يقابله حكم الجاهلية و هو كل حكم خالف حكم الله كيفما كان هذا الحاكم المشرع لهذا الحكم.

و لقد سمى الله الحاكمين بغير حكمه كافرين و ظالمين و فاسقين فقال سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [5] ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [6] ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .. } [7] فمن خلال هذه الآيات يمكننا أن نخلص إلى أن الديمقراطية في حكم الله هي حكم الطاغوت و حكم الجاهلية و حكم المنافقين فكانت بذلك مباينة لحكم الله، و بهذا نكون قد بينا أصول نظرية العقد الاجتماعي باعتبارها أساس أول ركن من أركان الديمقراطية.

نظرية القانون الطبيعي

و الآن ننتقل إلى الركن الثاني للديمقراطية و الذي يتعلق بتقريرالحريات و الحقوق و ضمانها فنقول و بالله التوفيق:

إن النظام الديمقراطي قد أقر ـ قانونيًا على الأقل ـ بعدد غير قليل من الحقوق و الحريات، و ذلك مثل حرية الرأي، ... و حرية الاعتقاد، و الحرية الشخصية، و حق الملكية، و حق العمل و السكن و الانتقال والتعليم إلى غير ذلك من الحقوق و الحريات، و هو بمثل هذا الإقرار يكون مخالفًا للنظم الاستبدادية التي لا تقر من ذلك بشيء، و بمثل هذا الإقرار، لمع بريق الديمقراطية الزائف في أعين كثير ممن لا يملكون المعرفة الصحيحة للنظام الإسلامي كما ليس لهم الإدراك الواعي للآثار أو النتائج المترتبة على الحقوق و الحريات في النظم الديمقراطية.

فإليك يا باغي الحق بعض هذه الآثار و النتائج التي بينها و بين الإسلام ما بين السماء و الأرض. و لنبدأ بمجال الاعتقاد: ففي النظام الديمقراطي، يحق لكل فرد أن يدين بما شاء من العقائد و الملل و النحل و الأفكار و لاتثريب عليه في ذلك، و لا فرق في النظام الديمقراطي بين أن يدين المرء بدين أصله"الوحي الإلهي"أو أن يدين بعقيدة أو فكرة من وضع البشر و اختلاقه، كما أنه يجوز في ظل هذا الحق أن يغير المرء دينه أو عقيدته كيفما شاء، و ليست هناك أدنى قيود عليه في ذلك، بل لو شاء أن يتخذ في كل يوم عقيدة تخالف عقيدته السابقة لكان له ذلك. و هذا الحق عندهم من الحقوق التي لا يجوز

(1) الرعد: 41

(2) انظر مبحث الحاكمية

(3) النساء: 60 ـ 61

(4) المائدة: 50

(5) المائدة: 44

(6) المائدة: 45

(7) المائدة: 47

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت