إن فرض الجهاد كفرض الصلاة و الصيام و الحج، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} و قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ .... } [1] و قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [2] و قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [3] . و نقل ابن رشد الاتفاق على أن الجهاد إذا تعين أقوى من الذهاب إلى حجة الفريضة.
هل نجاهد عند غياب إمام عامة؟
نعم! نجاهد و ليس لنا إمام عامة، و لم يقل أحد أن عدم اتحاد المسلمين على إمام يسقط فرضية الجهاد، بل لقد كان المسلمون أيام الحروب الصليبية و التتار يقاتلون، مع أن أمراءهم مختلفون و في كل بلد أمير أو عدة أمراء، ففي حلب أمير، و في دمشق أمير، و في مصر أكثر من أمير، و بعضهم يستنجد بالصليبين على إخوانهم الأمراء كما حصل من شاور الذي استعان بالصليبيين على أمير آخر في مصر (ضرغام) . و لم يقل أحد من العلماء أن هذا الحال و هذا الغثاء يسقط فرضية الجهاد للدفاع عن أرض المسلمين بل يضاعف واجبهم.
و غياب الإمام أو أمير المؤمنين لا يسقط فرضية القتال و الدفاع عن أراضي المسلمين، و لا ننتظر حتى تقوم الولاية الكبرى و تستأنف الخلافة، لأن الولاية العامة و الخلافة لا تأتي نظريًا بالثقافة و الدراسة، بل الجهاد أسلم طريقة لكي تصبح الولاية الخاصة ـ أي إمارة القتال ـ ولاية عامة و خلافة، و المجاهدون يختارون أميرًا للجهاد من بينهم يصلح أمرهم، و يلم شعثهم، و يرد قويهم عن ضعيفهم، ففي الحديث الصحيح عن عقبة بن عامر ـ و كان من رهطه ـ قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فسلحت رجلًا سيفًا قال، فلما رجع قال: ما رأيت مثل ما لامنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أعجزتم إذ بعثت رجلًا فلم يمض لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري» [4] ، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - حرضهم على تغيير أمير السرية الذي عقد له الراية بيده الشريفة، فكيف إذا لم يكن أميرًا أصلًا؟ إن الحاجة اليوم أشد إلى تأمير أمير للحرب .. قال ابن قدامة في المغني [5] : (فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره) .
و في خضم الحرب الصليبية الأخيرة، عمدت الأنظمة العميلة الجاثمة على صدور الشعوب المستضعفة، إلى تقديم كل التسهيلات، من فتح الممرات البحرية أمام البوارج الحربية، و فتح للحدود البرية و المجالات الجوية، التي غزت من خلالها الجيوش الصليبية أفغانستان و العراق ... كما أنشأت لها قواعد عسكرية على أراضي المسلمين، وقدمت لها الدعم الاستخباراتي و اللوجستي .. قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ، و قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، و قد أفتى علماؤنا بحرمة بيع القوت و السلاح للكفار الحربيين، و لا ما يصنع منه السلاح، و لا ما يعظمون به كفرهم. و نصوص المذهب المالكي متظاهرة على ذلك. جاء في المدونة: قال مالك: لا يباع من الحربي سلاح لا سروج و لا نحاس، قال ابن حبيب: و سواء كانوا في هدنة أو غيرها، و لا يجوز بيع الطعام منهم في غير الهدنة، قال الحسن: و من حمل إليهم الطعام فهو فاسق، و من باع منهم السلاح فليس بمؤمن، و لا يعتذر بالحاجة إلى ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (و إذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين، مع كونهم يصلون و يصومون و لم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين، فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلًا للمسلمين؟؟؟) أهـ. ... و إذا أمعنا في قول الرسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» . تبين أن ما يمارسه حكام بلاد المسلمين الموالين للكفار كفر بواح باتفاق الأمة، وهذا الشرط يتضمَّن جزأين: أن يكون الكفر بواحًا .. وهو طمسهم لشعيرة الجهاد وليس كفر بعده كفر من أن يعطل
(1) البقرة: 283
(2) النساء: 103
(3) البقرة: 97
(4) أبو داوود وأحمد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، أنظر الفتح الرباني
(5) المغني