أن جيش النبي - صلى الله عليه وسلم - متوجه إليه .. و قبل أن يتوجه إليه بمسيرة شهر كامل .. فهذا إرهاب للعدو .. و يدخل في معنى الإرهاب، لكنه إرهاب محمود و مشكور ومطلوب .. إذ لولاه لتجرأ الأعداء على الاعتداء فانتهكوا حرمات العباد و البلاد!
شروط عقد الصلح مع الكفار
1 ـ العهد
يجوز للمسلمين عقد معاهدة مع الكفار إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، و لكن بشرط أن لا تتضمن المعاهدة شروطًا تبطل المعاهدة أو تفسدها، و منها:
إذا تضمنت المعاهدة تعطيل شريعة الله أو إهمال شعائره فهي باطلة. فلا يجوز للكفار أن يتدخلوا في نظام الحكم، لأن هذا إفساد للجهاد و هدفه.
إذا تعين الجهاد بطل الصلح، كما إذا دخل العدو أرض المسلمين أو كان طالبًا لهم، جاء في فتح العلي لمالك في الصلح و المعاهدة في المعيار ـ في باب الجهاد ـ ما نصه: (أوقع الخليفة الصلح مع النصارى، و المسلمون لا يرون إلا الجهاد فمهادنته منقوضة و فعله مردود) ، و حيثما تعين الجهاد في موضع لم يجز فيه الصلح، كما لو كان العدو غالبًا على المسلمين، و كل ما نقل في تعين فرض الجهاد مانع من الصلح لاستلزامه إبطال فرض العين الذي هو الجهاد المطلوب فيه الاستنقاذ.
نقل القاضي ابن رشد الإتفاق على أن الجهاد إذا تعين أقوى من الذهاب إلى حجة الفريضة، لأن الجهاد إن تعين كان على الفور، و الحج قد قيل فيه أنه على التراخي، فالصلح المذكور يجب نقضه لأنه بمقتضى الشرع غير منبرم فحكمه غير لازم عند كل من حقق أصول الشريعة، و الصلح المذكور فيه ترك الجهاد المتعين و ترك الجهاد المتعين ممتنع و كل ممتنع غير لازم.
2 ـ الأمان: و للأمان صورتان:
الصورة الأولى: أن يستجير المشرك حتى يسمع كلام الله فيجب أن يُجار و يعطى الأمان لقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ} [1] ، و هذه الصورة لا تكاد توجد في هذا الزمن لا سيما و المكاتب و وسائل الإعلام الإسلامية بحمد الله منتشرة حتى في بلاد الكفار.
الصورة الثانية: أن يطلب الكافر الأمان ليدخل بلاد المسلمين لمرور أو تجارة أو غرض يقضيه، فيدخل حتى تتم حاجته، و هذه الصورة يختار فيها ولي أمر المسلمين ما فيه المصلحة العامة.
ويصح الأمان من الرجل و المرأة المسلمَين سواء باللفظ الصريح أو بالكناية وحتى بالإشارة و الأمر في ذلك واسع كما ذكر الفقهاء. و لكن أمان آحاد المسلمين لابد له من موافقة ولي الأمر كما قال - صلى الله عليه وسلم - في فتح مكة لأم هانئ: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» [2] ، فلو لم يوافق النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمانها و يقره، لما اعتُبِر أمانها.
أما عند غياب الإمام المسلم أو في حال عدم علمه أو عدمه، فلا يصح عقد الأمان من آحاد المسلمين و الدليل على ذلك ما فعله بلال بن رباح والأنصار - رضي الله عنهم - بأمية بن خلف في معركة بدر فقد كان أمية في أمان و جوارعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - فقتلوه طعنًا و لم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا لأنه لم يقر عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - على أمانه لأمية بن خلف ـ لعنه الله ـ
الخاتمة
ليست القضية بكثرة النصوص و وفرة الشواهد، و إنما الأمر متعلق بالقلوب، فإن أعطاها الله نورًا أبصرت الحق واتضح فيه، و إن أظلمت القلوب لم تعد ترى {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [3] .. هذه البصيرة تفجر في القلب ينابيع المعرفة و الإدراك، و هذه لا تنال بكسب و لا دراسة، إن هو إلا فهم يؤتيه الله عبدًا في كتابه و دينه على قدر بصيرة قلبه، و هذه البصيرة تنبت في أرض القلب، يفرق به بين الحق و الباطل، والصادق و الكاذب، قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [4] ... و كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه و حكمه في خبره و إلزامه، لأن أحكام الرب سبحانه كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، و لا سيما أهل الرياسة. و الذين يتبعون الشهوات فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق و دفعه كثيرًا، فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات، لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق، و لا سيما إذا قامت له شبهة فتتفق الشبهة و الشهوة و يثور الهوى، فيخفى الصواب و ينطمس وجه الحق. و إن كان الحق ظاهرًا لا خفاء به ولا شبهة فيه أقدم على مخالفته و قال: لي مخرج بالتوبة. وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [5] و قال تعالى فيهم أيضا: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [6] .
فإن اتباع الهوى يعمي عين القلب، فلا يميز بين السنة و البدعة أو ينكسه، فيرى البدعة سنة، و السنة بدعة، فهذه آفة العلماء إذا آثراوا الدنيا واتقوا الرياسات والشهوات ... و لذلك فإن النصوص وحدها لا تكفي و لا بد من بصيرة القلب حتى يبصر بها الحق ... و عندما يظلم القلب لا تظهر صور الأشياء على حقيقتها فيلتبس الحق و لا تظهر صورته، وقد ينتكس القلب فيرى الحق باطلا والباطل حقا. و لذا لا بد من التقوى حتي يظهر الفرقان و يصفو القلب و تبدو الأشياء على مرآته جلية واضحة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [7]
و لذا كانوا إذا أشكل عليهم وأعضلتهم مسألة يقولون: إسألوا أهل الثغور لأنهم أقرب الناس إلى الله ... [8]
(1) التوبة: 6
(2) رواه البخاري
(3) الحج: 46.
(4) الحجر: 75
(5) مريم: 59
(6) الأعراف: 169
(7) الأنفال: 29
(8) الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان