و لذا فإن تصريحات البعض بأن ما يقوم به المجاهدون من إرهاب!! ما هو إلا ثمرة من ثمرات الكبت و الاضطهاد، يزول بزوال أسباب الظلم عنهم، أو بحل مشاكلهم، ورد أراضيهم المغتصبة، كل ذلك جهل و إسفاف صادر عمن لا يعرف حقيقة دين الإسلام و عقيدة الجهاد عند المسلمين، و إنما يصلح تبريرًا لإرهاب الكفار بعضهم لبعض. أما ما شرعه الله من إرهابٍ وإرعابٍ لأعداء دينه؛ فليست بواعثه نفسية ولا هو من ردود الفعل العشوائية أو العكسية، بل الدافع إليه طاعة الله، وعقيدة مقدسة، وجنة عرضها السماوات والأرض.
فإرهاب أعداء الله من أعظم الفرائض عند المسلمين، وتشريدهم والقعود لهم في كل مرصد من أوجب واجبات الإسلام، وبعث الرعب فيهم من أخص خصائص المصطفى وسننه - صلى الله عليه وسلم - .. كما في الحديث الصحيح: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» .
و نحن نتكلم عن الإرهاب المذموم، لا يفوتنا أن نشخصه فيما يقع في بلادنا المغرب تحت مسمى (مكافحة الإرهاب) على خلفية أحداث 11 سبتمبر، من اختطاف و ترويع للأسر، باقتحام البيوت، و سلب الممتلكات وتشريد الأسر، ومحاكمة معيلها بالسنين الطوال، و مع هذا لا زالوا يتمادون في غيهم لا يرقبون في مؤمن إلا و لا ذمة ولا عجب ما دام العالم كله متواطئ في هذه الحملة و أمريكا تتقدمهم لأنهم يحمون مصالحها.
ثانيًا: الإرهاب الممدوح شرعًا:
هو:"إحداثُ الخوف والفزَع عند من يجوزُ إخافته شرعًا، بالقدر الذي يردعه عن العدوان و الظلم". و يُمكن أن يُقال في تعريفه كذلك أنه:"إرهاب الإرهاب، أي الإرهاب المشروع الممدوح للإرهاب المذموم غير المشروع، بالقدر الذي يُبطل إرهابه و عدوانه".
فالإرهاب هنا يُعتبر قوة ردع لقوى الشر و العدوان، ولكل من يُحاول أن يُفسد في الأرض، أو يخرج عن قوانين الشرع، كما في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [1] . أي تخوفون بهذه القوة أعداء الله و أعداءكم من الكافرين المجرمين .. الذين يمكرون ضدكم .. فيخافونكم فلا يتجاسرون على الاعتداء عليكم و لا على حرماتكم .. كما قال تعالى: {لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} و قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [2] . فشرع الله تعالى القتال حتى لا تكون فتنة وفساد في الأرض .. وإلى أن ينتهي الفتَّانون المفسدون عن فتنتهم وفسادهم.
و الإرهاب في هذا الموضع له فوائد عدة ـ إضافة إلى كونه يمنع العدو و يخوفه من التجاسر على الاعتداء ـ منها: أنه يوفر على الأمة حروبًا كثيرة .. إذ يكبح جماح العدو و يحقق عنده الهزيمة .. و النصر عليه من دون أن تُشن معه الحروب .. و تُزهق الأنفس، كما في قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَاسِرُونَ فَرِيقًا} [3] . فهم هُزموا بالرعب .. و وقعوا بالأسر .. بما أصابهم الله تعالى من خوف و رعب .. إذ الخائف المرعوب لا يصلح للقتال في ميادين المنابذة و القتال! و قال تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [4] . فهم يخربون بيوتهم بأيديهم .. لما تحقق عندهم من الهزيمة النفسية و المادية بسبب ما قُذف في قلوبهم من الخوف و الرعب .. {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [5] . و في الحديث فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «نُصرت بالرعب شهرًا، يُرعب مني العدو مسيرة شهر» . أي نصرت بخوف العدو مني قبل أن أواجهه بمسيرة شهر .. حيث كان العدو يُصاب بالرعب و الخوف لمجرد علمه
(1) الأنفال: 61
(2) الأنفال: 39
(3) الأحزاب: 26
(4) الحشر: 2
(5) الأحزاب: 25