مقدمة
عقيدتنا في مسألة الإيمان هي عقيدة سلف هذه الأمة، من صحابة كرام و تابعين و أئمة هذا الدين، كمالك و الشافعي وأبي حنيفة و أحمد بن حنبل، و جميع علماء أهل السنة و الجماعة الذين اتفقوا على أن: الإيمان قول و عمل.
فقد نقل ابن عبد البر في التمهيد الإجماع على أن الإيمان قول و عمل، و قال البخاري رحمه الله: (كتبت عن ألف نفر من العلماء و زيادة و لم أكتب الا عمن يقول أن الإيمان قول و عمل) .
و قد عزى اللالكائي القول أن الإيمان قول و عمل إلى سبعة من الصحابة، و ثمانية من التابعين و عدد كبير من الفقهاء. و قال الحافظ في الفتح: (و أطنب ابن ابي حاتم و اللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة و التابعين، و كل من يدور عليه الإجماع من الصحابة و التابعين، و حكاه الفضيل بن عياض و وكيع عن أهل السنة و الجماعة) [1] . و نقل عبد الرزاق في مصنفه هذا المذهب عن الثوري و مالك و الأوزاعي و ابن جريج ومعمر و غيرهم، و هؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم. و يقول المزني في عقيدته ـ التي ذكر في آخرها أن ما فيها اجتمع عليه الماضون الأولون من أئمة الهدى ـ: (و الإيمان قول و عمل، و هما شيئان و نظامان و قرينان لا يفرق بينهما) . و يقول إماما الحديث ابو زرعة و أبو حاتم: (أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا و عراقًا و شامًا ويمنًا و كان مذهبهم: الإيمان قول و عمل يزيد و ينقص) . و قال الشافعي رحمه الله تعالى: (و كان الإجماع من الصحابة و التابعين من بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان قول و عمل و نية و لا يجزؤ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) . و قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي: (و أن الإيمان قول باللسان و إخلاص بالقلب و عمل بالجوارح) .
و بهذا القول قال الفقهاء كمالك ابن انس و الماجشون و الليث و الأوزاعي و ابن مسلم الطائفي.
منزلة العمل من الإيمان
و قول السلف أن العمل من الايمان أي ركن فيه، و ليس شرط كمال كما هو قول المرجئة.
من ذالك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال الإمام البخاري:"باب الصلاة من الإيمان و ذكر الاية".
و منه حديث شعب الإيمان و قوله - صلى الله عليه وسلم - «الإيمان بضع و سبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق و الحياء شعبة من الإيمان» [2] قال البغوي: (و اتفقت الصحابة و التابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان) . و منه حديث وفد عبد القيس، و فيه قال - صلى الله عليه وسلم - لهم: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا الله و رسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله الا الله و أن محمدًا رسول الله، و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة، و صوم رمضان و تعطوا الخمس من المغنم» .
و كذالك قول الشافعي المذكور أعلاه في أن الإيمان قول و عمل و نية لا يجزؤ واحد منها دون الباقي. و قد أنكر جماعة من السلف على من أخرج العمل من الإيمان، و عدوهم من المبتدعة و قولهم قول محدث، منهم: سعيد بن جبير و ميمون بن مهران و قتادة و أيوب السختياني و إبراهيم النخعي و الزهري. و قال الثوري هو رأي محدث، أدركنا الناس على غيره. و قد خالف المرجئة أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان ـ و التي وافق (المجلس العلمي) قولهم فيه ـ على أنه يتعلق فقط بالأمور الباطنة دون الأعمال الظاهرة، فقد نقل أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين عن المرجئة: (أن الإيمان
(1) فتح الباري
(2) البخاري