الصفحة 62 من 95

-ومنها اندراس العلم وذهابه، فيعذر العبد بما لم يبلغه من الدين، كما في حديث حذيفة الذي سبق ذكره. فهذه بعض الحالات التي تكلم عليها العلماء،"وليقس ما لم يقل".

شرط اعتبار الجهل مانعا من التكفير:

قال العلامة القرافي المالكي ـ رحمه الله ـ في الفروق: (القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه، لا يكون حجة للجاهل ... فمن ترك التعلم والعمل، وبقي جاهلا فقد عصى معصيتين لتركه واجبين) .

ويقول العلامة الأصولي المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: ( ... وأما القادر على التعلم المفرِّطُ فيه، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور) [1] .

وبالجملة، فإن هذا القيد مما لا ينبغي أن يقع حوله أدنى خلاف، لكثرة القواعد والأدلة التي تشهد له.

المانع الرابع: الإكراه:

ويقابله في الشروط أن يكون المكلف مختارًا لفعله.

ويدل عليه قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [2] و قد ذكر العلماء شروطًا لصحة تحقق مانع الإكراه منها [3] :

-أن يكون المكرِه (بكسر الراء) قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمكرَه عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار.

-أن يغلب على ظن المكرَه، انه إذا امتنع أوقع به ما يهدد به.

-أن لا يظهر على المكرَه ما يدل على تماديه، بأن يعمل أو يتكلم زيادة على ما يمكن أن يزول به عنه البلاء.

-واشترطوا فيما يهدد به في الإكراه على كلمة الكفر، أن يكون مما لا طاقة للمرء به، ومثلوا بالإيلامات الشديدة وتقطيع الأعضاء، والتحريق بالنار والقتل وأمثال ذلك .. وذلك لأن الذي نزلت بسببه آيات إعذار المكره وهو عمار، لم يقل ما قال إلا بعد أن قتل والديه وكسرت ضلوعه، وعذب في الله عذابًا شديدًا.

-واشترطوا أن يظهر إسلامه متى زال عنه الإكراه، فإن أظهره فهو باق على إسلامه وإن أظهر الكفر، حكم أنه كفر من حين نطق به [4] .

• ومع هذا فيجدر التنبيه إلى أن العلماء قد نصوا على أن من قامت عليه بينة أنه نطق بكلمة الكفر وكان محبوسًا عند الكفار مقيدًا عندهم في حالة خوف، لم يحكم بردته [5] لأنه في مظنة الإكراه ما دام في سلطانهم مقيدًا أو محبوسًا ويقدرون على إنفاذ ما يريدون به [6] . وإن شهد عليه أنه كان آمنًا حال نطقه بها حكم بردته [7] .

• ومن المهم هنا التنبيه إلى أن الإكراه الذي يتحدث عنه العلماء هو النطق بكلمة الكفر أو فعله، ثم العودة إلى إظهار الإسلام كما تقدم .. أما الإكراه على الإقامة على الكفر والبقاء عليه .. فهذا لم يعتبروه ولم يجيزوه وفرقوا بينه وبين ما يعذرون به في أبواب الإكراه. و ختامًا فهذه عقيدة السلف الصالح .. عليها نحيا وعليها نموت و في سبيلها نجاهد و عليها نلقى الله لا نقيل ولا نستقيل حتى يأتي أمر الله ونحن على ذلك بإذن الله تعالى.

(1) أضواء البيان

(2) النحل: 106

(3) فتح الباري (كتاب الإكراه)

(4) المغني لابن قدامة كتاب المرتد (فصل ومن أكره على الكفر)

(5) المصدر السابق

(6) سبيل النجاة والفكاك) للشيخ حمد بن عتيق)

(7) المغني لابن قدامة كتاب المرتد (فصل ومن أكره على الكفر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت