ووجه الدلالة من هذه القصة أن الصحابة أجمعوا- والإجماع حجة شرعية كما هو معلوم - على عدم إقامة حد الردة- وهو القتل- على قدامة ومن معه، رغم كونهم وقعوا في الكفر، الذي هو استحلال شرب الخمر. والمانع من إلحاق حكم الكفر بهم هو تأولهم الآية القرآنية المذكورة على غير وجهها، وهو تأول سائغ في الجملة، وإن كان باطلًا كما لا يخفى من تأمل سبب نزول الآية وما ذكره فيها أئمة التفسير.
ثم إن الصحابة أجمعوا أيضا على أن هؤلاء المستحلين، لو أصروا على الاستحلال بعد إقامة الحجة عليهم، لوجب إقامة الحد عليهم. وهذا الإجماع المذكور ليس خاصا بالصحابة، فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى: (وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك) .
المانع الثالث: الجهل.
اعلم أن العذر بالجهل من المسائل الخطيرة، التي كثر حولها القيل والقال، وتنازع فيها الناس في الآونة الأخيرة ما بين مفْرِط ومفَرِّط، وبين غال ومقصر.
دليل اعتبار العذر بالجهل: دلت على كون الجهل مانعا من موانع التكفير- بل من لحوق الوعيد بالمعين عموما- أدلة كثيرة من النصوص وقواعد الشرع، نذكر أشهرها وأظهرها:
حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن رجلا لم يعمل خيرا قط فقال لأهله إذا مات فأحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، فلما مات الرجل، فعلوا به كما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، فإذا هو قائم بين يديه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر الله له» [1] .
قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى: ( ... وكنت دائما أذكر هذا الحديث. فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك) . ومن الأدلة كذلك على اعتبار الجهل مانعًا من موانع التكفير حديث ذات أنواط [2] ، وهو عن أبي واقد الليثي - رضي الله عنه - و حديث حذيفة بن اليمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ... » [3]
قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: (وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف) ثم ذكر حديث حذيفة السابق. وهنالك أدلة أخرى كثيرة، لا داعي لبسطها هنا.
بعض الحالات التي يعذر فيها بالجهل:
ذكر أهل العلم حالات خاصة محدودة يعذر فيها بالجهل، والضابط فيها جميعها هو عدم التمكن من التعلم، ويمكن إضافة حالات أخرى متى توفر الضابط المذكور.
-فمن هذه الحالات حداثة العهد بالكفر.
-ومنها أن ينشأ في منطقة نائية، أو بادية بعيدة، لا تشتهر فيها شرائع الإسلام ولا تظهر فيها أصوله، ثم هو مع ذلك
لا يستطيع ـ لمانع شرعي معتبر ـ أن يرحل إلى البلاد التي يمكنه فيها أن يتعلم دين الإسلام.
-ومنها أن يكون مصابا بعاهة بدنية تعوقه عن تعلم أصول الدين وشرائعه.
(1) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، ومسلم في التوبة
(2) الترمذي في الفتن-باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، وقال حسن صحيح، وأحمد في مسند الأنصار.
(3) ابن ماجه والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.