قام في دار الكفر فهو كافر لا يسعه إلا الخروج و أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار، و الإصرار على أي ذنب كان كفر. و يقولون أنه إذا كفر الراعي كفرت الرعية الغائب منهم و الشاهد).
فهذه عقيدة الخوارج و لمن أراد التفصيل في مذاهبهم و فرقهم الرجوع إلى كتب الفرق. و أما أتباع التيار الجهادي العالمي المبارك و علماؤه و منظروه برآء من معتقدهم و مذهبهم الذي يخالف مذهب سلف الأمة و علمائها. كما أنهم برآء ممن يتجرأ على تكفير المسلمين و سفك دمائهم. أما قول (المجلس العلمي) ، أنهم يكفرون المجتمعات المسلمة أو يكفرون من يقيم في بلاد المشركين و المجتمعات الغربية، فهذا محض افتراء و بهتان ليس عليه بينة، فمجرد الإقامة في ديار المشركين ليست بناقض للإيمان. وهم لا يكفرون المجتمعات المسلمة من أندونيسيا إلى المغرب الأقصى، ويبدعون من رماهم بالكفر جملة واحدة، لأن ذلك حكم قضائي مرتبط بتوفر الشروط و انتفاء الموانع.
موانع التكفير
يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (و التكفير هو من الوعيد، فإنه و إن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها و لم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، و إن كان مخطئًا) .
المانع الأول: الخطأ وعدم القصد إلى الفعل [1] ، كأن يسبق لسانه إلى كلمة كفر لم يقصد النطق بها، و لا كان متعمدًا لذلك. و هذا مانع معتبر شرعا لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [2] ، و لما جاء في الحديث: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» [3] .
ولحديث الرجل الذي أضل راحلته وعليها طعامه وشرابه، فلما وجدها بعد أن أيس من الحياة، قال:"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أخطأ من شدة الفرح» [4] .
وأمثلة الخطأ في القول والفعل التي يمكن ذكرها في هذا المقام كثيرة جدا. والله أعلم.
المانع الثاني: التأويل.
التأول هو الخطأ في فهم دلالة النص الشرعي، بإنزال بعض النصوص في غير محلها، أو إخراجها عن مدلولاتها الصحيحة التي تشهد لها النصوص الأخرى و قواعد اللغة و الشرع. فمن استحل حرامًا أو حرم حلالًا، أو وقع في كفر و هو يحكم عليه بأنه ليس كفرًا، وكان في هذا كله متأولًا تأولًا مستساغًا في الجملة، امتنع تكفيره حتى تقام عليه الحجة الشرعية، فإن أصر على ما هو فيه من الباطل. وقع عليه حكم التكفير. و ما يقتضيه من الأحكام الشرعية الدنيوية.
و الدليل على هذا الأصل العظيم حادثة قدامة بن مظعون - رضي الله عنه -، و حاصلها أن قدامة و طائفة معه شربوا الخمر وتأولوا قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [5] ، فلما بلغ الخبر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عنه استشار الصحابة في ذلك، ثم وقع إجماعهم على رأي علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا. وأرسل عمر لقدامة يقول له: «أخطأت استك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر» [6] .
(1) سيأتي التفريق بين القصد إلى الفعل المكفر والقصد إلى الكفر في محله من هذا الكتاب.
(2) الأحزاب: 5
(3) أخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم، وله طرق وروايات، وحسنه النووي، وصححه السيوطي في الأشباه والنظائر: بشواهده.
(4) رواه البخاري في الدعوات-باب التوبة، ومسلم في التوبة.
(5) المائدة: 93
(6) عبد الرزاق في المصنف بإسناد صحيح كما ذكر الحافظ في الفتح.