الصفحة 59 من 95

و في"الذخيرة": (الرِّدَّة ... عبارة عن قطع الإسلام من مكلَّفٍ، وفي غير البالغ خلافٌ، إما باللفظ أو بالفعل كإلقاء المصحف في القاذورات، ولكليهما مراتبُ في الظُّهور والخفاء) [1] .

و قال الشيخ خليل بن إسحاق (المالكيّ) (ت:776هـ) : قال في"المختصر"في باب الرِّدَّة: (الرِّدَّة: كفر المسلم بصريحٍ، أو لفظٍ يقتضيه، أو فعلٍ يتضمَّنَه: كإلقاء مصحفٍ بقَذَرٍ، وشدِّ زنارٍ، وسحرٍ ... ) [2] .

و قال برهان الدِّين إبراهيم بن فرحون اليعمري (المالكيّ) (ت:799هـ) : (الرِّدَّة والعياذ بالله ونسأل الله حسن الخاتمة وهي الكفرُ بعد الإسلام، قال ابن الحاجب: وتكون بصريحٍ وبلفظٍ يقتضيه وبفعلٍ يتضمَّنُه) [3] .

و قال أبو عبد الله محمّد بن قاسم الرصَّاع (المالكيّ) (ت:894هـ) : (بابٌ فيما تظهر به الرِّدَّة قال الشيخ ابن شاس رحمه الله: ظهور الرِّدَّة إمَّا بتصريحٍ بالكفر أو بلفظٍ يقتضيه أو فعلٍ يتضمَّنه قال الشيخ رحمه الله بعد نقله له قوله(بلفظ يقتضيه) كإنكارِ غير حديث الإسلام وجوب ما عُلِمَ من الدِّين ضرورةً قوله (أو فعل يقتضيه) كلبس الزّنَّار وإلقاء المصحف في طريق النجاسة أو السُّجود للصَّنم ونحو ذلك) [4] .

و قال محمَّد بن عبد الرَّحمن المغربيّ (المالكيّ) (ت:954هـ) : نقل كلامًا للتفتازاني في شرح العقائد استظهره فقال: (وذكر الشيخ سعد الدِّين في شرح العقائد أنَّ من أفتى امرأة بالكفر لتَبِيْنَ من زوجها فإنَّ ذلك كفر، قاله في أواخر شرح العقائد، وهو الظاهر لأَنَّه قد أمر بالكفر ورضي به) [5] .

و قال أحمد العَدَويّ أبو البركات (الدَّردير) (المالكيّ) . (ت:1201هـ) : قال في"الشرح الكبير على مختصر خليل"في باب الردة وأحكامها: (( الرِّدَّة كفر المسلم) المتقرِّر إسلامه بالنُّطق بالشَّهادتين، مختارًا ويكون بأحد أمورٍ ثلاثة: (بصريحٍ) من القول كقوله أُشْرك أو أَكْفُر بالله، (أو لفظٍ) أي قول يقتضيه ... (أو فعلٍ يتضمَّنه) أي يقتضي الكفرَ ويستلزمُه استلزامًا بيِّنًا (كالقاء مصحف بقذَرٍ ... ) ) [6] .

و رغم هذا كله، فإن باب التكفير ليس مفتوحًا على مصراعيه لمن هب و دب، لأنه أمر عظيم فلذلك أحاطه الشارع بعدة قيود أتت مفصلة في كتب الفقه على جميع المذاهب، فمنها:

ـ ثبوت هذا الحكم بطريق شرعي.

ـ و أن يكون صريحًا غير محتمل.

ـ و أن يدل دليل قطعي على ثبوته.

ـ و أن يكون المكلف أهلا للحوق الحكم به، و لا يعترضه عارض من عوارض الأهلية المفصلة في كتب الفقه.

و من أراد الاستزادة فليراجع الكتب الآتية: التمهيد لابن عبد البر و المنتقى للإمام الباجي و جامع الأحكام للقرطبي وبداية المجتهد و نهاية المقتصد لابن رشد و مختصر خليل للخرشي و مسالك الدلالة على متن الرسالة و الفواكه الداني و المدونة لسحنون. و كل هذه المؤلفات هي لأئمة مالكية، رغم أن علماء المذاهب الأخرى لا يخالفونهم في هذه المسائل، لأنها مما كاد يجمع عليها الفقهاء. كما أن الأمور التي يخرج بها المكلف من الإسلام، هي الأمور التي أجمع العلماء على أن فاعلها أو قائلها كافر. فمن ذلك الإجماعات التي نقلها القاضي عياض في كتابه الشفا، و جميع أبواب الردة المذكورة في كتب الفقه، خلافًا للخوارج الذين يكفرون بمطلق المعاصي، و الكبائر كما ذكر ذلك أبو الحسن الأشعري في كتابه"مقالات الإسلاميين"والشهرستاني في كتابه"الملل و النحل": (إن عقائد الخوارج مبنية على أن كل مرتكبي كبيرة ففي النار خالدًا مخلدًا وأن من

(1) "الذخيرة" (12/ 13) . دار الغرب الإسلامي ط1 - 1994م.

(2) "مختصر خليل" (ص281) دار الفكر. ط 1415هـ.

(3) انظر:"تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام" (2/ 192) دار الكتب العلمية مصوَّر من المطبعة الشرقية بمصر ط1 - 1301هـ. و نقله لكلام ابن الحاجب دون تعقيب دليل على أنَّه يرتضيه.

(4) "شرح حدود ابن عرفة" (2/ 634) دار الغرب الإسلامي ط1 - 1993م.

(5) انظر"مواهب الجليل لشرح مختصر خليل" (3/ 480) دار الفكر. ط2 - 1398هـ.

(6) "الشرح الكبير" (4/ 301) طبعة دار الفكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت