و من ألفاظهم: ولو لم يعتقد .. و إن لم يعتقد .. و لا معتقدٍ له .. من غير اعتقادٍ له .. وسواء اعتقدوه أو لم يعتقدوه .. سواء صدر عن اعتقاد أو عناد أو ... سواء كان يعتقد أو كان ذاهلًا عن اعتقاده .. الردّ على من قال أن مبنى الرّدّة على الاعتقاد .. الردّ على من قال لا يكفر حتى يعتقد .. أنَّ الكفرَ يكون بالقول و الفعل ولو لحظٍّ من حظوظِ الدُّنيا .. إلى غير ذلك من الألفاظ.
و من تأمَّل هذه العبارات يجد أن مؤدَّاها واحدٌ وإنْ كان بعضُها أصرح من بعضٍ في بيان المقصود.
و إليكم أقوال بعض علماء المالكية جلية دامغة لكل شبهة متهاوية:
قال فقيه المغرب محمد بن سحنون المالكي (ت:265هـ) : ... (أجمع العلماء أَنَّ شاتمَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المتنقِّصَ له كافرٌ، والوعيدُ جارٍ عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمَّة: القتل، ومن شكَّ في كفرِه وعذابِه كفَر) [1] ..
و قال الحافظ يوسف بن عبد الله بن عبد البر (المالكي) (ت:463هـ) : ... نقل كلام إسحاق بن راهويه ولم يتعقبّه بشيءٍ فقال: (قال إسحاق: أجمع العلماء أنَّ من سبَّ الله عزَّ وجلَّ، أو رسولَه - صلى الله عليه وسلم -، أو دفع شيئًا أنزله الله، أو قتل نبيًَّا من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقرٌّ بما أنزل الله، أنَّه كافرٌ) [2] .
و قال القاضي أبو بكرٍ بن العربيّ (المالكيّ) (ت:543هـ) : قال في تفسير قوله تعالى: {وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ .. } : (( لا يخلو أَنْ يكونَ ما قالوه من ذلك جدًَّا أو هَزْلًا، وهو كيفما كان كفرٌ، فإِنَّ الهزلَ بالكفرِ كفرٌ، لا خلاف فيه بين الأمَّة. فإِنَّ التَّحقيق أخو الحقَّ والعلم، والهزلَ أخو الباطل والجهل. قال علماؤنا: انظر إلى قوله: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ} ) [3] .
و قال القاضي عياض بن موسى (المالكيّ) . ت:544هـ(أَنْ يكون القائل لما قال في جهته - عليه السلام - غير قاصدٍ للسبِّ، والإزراء، ولا معتقدٍ له. ولكنَّه تكلَّم في جهته - عليه السلام - بكلمة الكفر من لعنه، أو سبِّه، أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه، أو نفيِّ ما يجب له ممَّا هو في حقِّه - عليه السلام - نقيصة. مثل أَنْ ينسِب إِليه إتْيان كبيرةٍ أو مداهنة في تبليغ الرسالة. أو في حكمٍ بين النَّاس. أو يغضَّ من مرتبته أو شرفِ نسبِه أو وفورِ علمه، أو زهدِه، أو يكذِّب بما اشتهر به من أمورٍ أخبر بها ـ عليه السلام ـ وتواتر الخبر بها عن قصدٍ لردِّ خبره. أو يأتي بسفَهٍ من القول، وقبيحٍ من الكلام، ونوعٍ من السبِّ في حقِّه. وإنْ ظهر بدليل حاله، أَنَّه لم يتعمّد ذمَّه ولم يقصد سبَّه. إمَّا لجهالة حمَلَتْه على ما قالَه. أو الضَّجر، أو سُكْر اضطرَّه إليه، أو قلَّة مراقبةٍ وضبطٍ للسانه، وعجرفةٍ، وتهوُّر في كلامِه.
فحكمُ هذا الوجه حكمُ الوجهِ الأوَّل القتل. وإِنْ تَلَعْثَم. إذْ لا يُعْذَر أحدٌ في الكفر بالجَهالة، ولا بدعوى زَلَلِ اللسان ولا بشيءٍ ممَّا ذكرناه إذا كان عقلُه في فطرته سليمًا، إلاَّ من أُكْرِه وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان )) [4] .
و قال شهاب الدِّين أحمد بن إدريسٍ القرافيّ (المالكيّ) (ت:684هـ) : (الكفر قسمان: متَّفقٌ عليه ومختَلَفٌ فيه هل هو كفرٌ أمْ لا فالمتفق عليه نحو الشِّرك بالله وجَحْد ما عُلِمَ من الدَّين بالضرورة كجَحْد وجوب الصَّلاة والصَّوم ونحوهما والكفر الفعليّ نحو إلقاء المصحف في القاذورات، وجحد البَعْث أو النُّبوَّات أو وصفه تعالى بكونه لا يعلم أو لا يريد أو ليس بحيٍّ ونحوه وأمّا المختَلَف فيه ... ) . وقال: (وأصل الكفر إِنَّما هو انتهاكٌ خاصٌّ لحرمة الرُّبوبيَّة، إمَّا بالجهل بوجود الصانع، أو صفاته العُلا، و يكون الكفر بفعلٍ كرمي المصحف في القاذورات أو السُّجود لصنم أو التردُّد للكنائس في أعيادِهم بزيِّ النَّصارى ومباشرة أحوالهم ... ) .
(1) انظر"الشفا"للقاضي عياض (2/ 312) طبعة هشام علي حافظ ط1 - 1416هـ
(2) انظر"التمهيد" (4/ 226) طبعة وزارة الأوقاف المغربية
(3) انظر:"أحكام القرآن"لابن العربي (2/ 976) .
(4) "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (2/ 331) طبعة هشام علي حافظ ط1 - 1416هـ. فانظر كيف جعل هذا القول كفرًا ولو لم يكن معتقدًا له. لكن قوله: (( إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ) )ليس على إطلاقه والمسألة فيها تفصيل ليس هذا موضعه