الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
مقدمة
خلص المجلس العلمي ـ في معرض رده على أطروحات التيار الجهادي بخصوص فريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكرـ إلى أنه لا حق للأفراد في ممارسته و اعتبار كل آمر بالمعروف و ناه عن المنكر يدخل في حكم المعتدي على أمن الدولة و المجتمع والمؤسسات و الأفراد ... إلخ.
و ردًا على هذا نقول وبالله التوفيق: لقد كان الإعلام المسخر و الأبواق الرسمية و الغير الرسمية، و منذ بروز الصحوة المباركة، و فعلها في وسط المجتمع على جميع الأصعدة، من عمل خيري اجتماعي كمساعدة الفقراء والمحتاجين، وجهود الصلح بين العائلات و الأفراد، ونشر السنة وتربية الشباب تربية سليمة وانتشال الآلاف منهم من مستنقعات المخدرات، والشذوذ و الفساد ... إلخ. كان هذا الإعلام و لا يزال يركز على جانب واحد من تلك الجوانب، و يظهره على غير حقيقته و هو جانب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و حتى في هذا الجانب كان هذا الإعلام يهمل عشرات بل مئات الحالات التي يتم فيها تغيير المنكر بيسر و سهولة عن طريق إقناع المتلبسين به بخطأ ما هم عليه، بينما يتم التركيز فقط على بعض الحالات القليلة جدًا و التي تدعو فيها الحاجة إلى شيء من الشدة، و يسمونها تطرفًا واعتداء على حرية الآخرين، مع أنها ما لُجئ إليها إلا لحماية المسلمين و أعراضهم و أموالهم من ضعاف النفوس والإيمان، و من قطاع الطرق و تجار المخدرات و رؤوس عصابات. فقد كانت جل المدن المغربية وأحيائها يستعصي على الشرطة دخولها لمواجهة تلك العناصر، حتى تمكن ثلة من الشباب الصالح من تطهيرها في أسابيع معدودة بمساعدة الساكنة، الذين استحسنوا و شجعوا و دعموا الفكرة، و هو ما لم يرق للجهات الأمنية التي أغاظها الالتفاف الشعبي على هذه الثلة، فاعتقلت الشباب، و لفقت لهم التهم، و زجت بهم في السجون. فعادت العناصر و الشبكات المفسدة إلى ممارسة أنشطتها أكثر مما كانت عليه، تحت مرآي ومسمع من وكِّلت لهم مهمة حماية أمن الناس و أعراضهم، بل بمساهمة منهم. و منذ ذلك الحين كثر اللغط حول هذه القضية، و صار كل من هب ودب يتكلم فيها، إلى أن أُذن للمجلس العلمي أخيرًا بالاجتماع لدراسة سبل مواجهة (الفكر المتطرف) ـ حسب زعمهم ـ فكان مما خلصوا إليه وتدارسوه وقرروه ماذكرناه من عدم جواز تغيير المنكر للأفراد، سالكين في ذلك مسلكًا غريبًا في التأصيل الشرعي. وقد بنوا أدلتهم في هذه النقطة كما في غيرها من النقاط على بعض التحكمات العقلية في مقابل النصوص الشرعية، من مثل القول بأن تغيير المنكر باليد يمارسه الإمام الأعظم (الإكراه القانوني) ، أو التمسك بعمومات ليست في محل نزاع. و هذا ما سنحاول دحضه بالدليل سالكين في ذلك مسلك و منهجية العلماء في ردودهم، جاعلين الكتاب و السنة و أقوال الصحابة والأئمة هي الحَكَم بيننا و بينهم مع الإشارة إلى الاختصار الشديد لضيق الحيز و استيفاء الموضوع حقه من طرف العلماء الربانيين فلتراجع كتاباتهم لمن طلب الحق بصدق.
منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام
الإسلام هو دين الحق الذي جاء بكل ما فيه مصلحة و منفعة محققة للناس في دنياهم و أخراهم و النهي عن كل مفسدة ومضرة محققة لدنيا الخلق و أخراهم. لذا فالإسلام في حقيقته هو أمر بكل معروف ونهي عن كل منكر، و إن خيرية هذه الأمة مترتبة على كونها آمرة بالمعروف و ناهية عن المنكر كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [1] . و قد جعل الله من أخص خصائص المجتمع المسلم الأمر بالمعروف
(1) آل عمران: 110.