الصفحة 79 من 95

والنهي عن المنكر مع إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة قال الله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُُمُورِ} [1] .

وما استحق بنو إسرائيل اللعنة إلا لتركهم هذا الأمر العظيم قال الله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [2] .

و قد أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا قائلًا: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» [3]

و قد صدق الإمام الغزالي حين قال عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنه: (القطب الأعظم في الدين و هو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين) [4] .

و لما لم يستطع القوم أن يشككوا في مشروعية الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الإسلام، لجأوا إلى ما نقلناه عنهم سابقًا، أي الادعاء بأن تغيير المنكر هو من خصائص الحكام. و هم يعلمون جيدًا أن حكام هذه الأيام لا يقومون بهذا الأمر، بل الواضح أنهم يفعلون ضد ذلك تمامًا، فهم من يشجع المنكرات و يحميها بالحديد والنار، و ينكلون بالداعين إلى إزالتها و تغييرها. أما الحق الذي نعتقده و ندين الله به: أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هو واجب الأمة جمعاء وأن لآحاد الرعية تغيير المنكر بأيديهم و ليس فقط بألسنتهم وقلوبهم و ذلك بضوابط خطها لنا الأئمة الأعلام سنذكرها في موضعها بحول الله. أما أدلتنا على ذلك و المؤيدة بأقوال العلماء الربانيين الأثبات في هذا الموضوع فهي كالتالي:

أولًا: الأدلة القاطعة على أن تغيير المنكر باليد ليس بمقصور على الدولة أو الحكام.

الأدلة من القرآن الكريم:

قال الله تعالى: {وَلْتَكُنْ منكُمْ أمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولئكَ هُمُ المُفْلِحُون} [5] . هذه الآية نص قاطع في وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، قال الإمام أبو بكر ابن العربي المالكي: (وفي هذه الآية و التي بعدها و هي قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [6] الآية دليل على أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فرض كفاية) .

و قال الحافظ ابن كثير: (والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن و إن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه. كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فقلبه وذلك أضعف الإيمان» ) [7] .

قال الجصاص بعد أن ذكر آيات كريمة بهذا الخصوص: (فهذه الآي و نظائرها مقتضية لإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و هي على منازل أولها تغيير باليد ـ إذا أمكن ـ فإن لم يمكن و كان في نفسه خائفًا على نفسه إذا أنكر بيده فعليه إنكاره بلسانه فإن تعذر ذلك لما وصفنا فعليه إنكاره بقلبه) [8] . و المقصود من ذلك أنه قد ثبت بهذه الآيات وغيرها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه فرض عين على الكفاية، و هذا الحكم شامل لكل المراتب، و لا نعلم دليلًا واحدًا يخص الحكام بمرتبة من هذه المراتب، فمن ادعى شيئًا من ذلك فعليه الدليل و الحجة.

الأدلة من السنة النبوية:

(1) الحج: 41.

(2) المائدة: 78 ـ 79.

(3) صحيح مسلم: كتاب الإيمان (باب كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإيمان)

(4) إحياء علوم الدين

(5) آل عمران: 104

(6) آل عمران: 110

(7) تفسير القرآن العظيم

(8) انظر أحكام القرآن للجصاص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت