ـ عن طارق ابن شهاب قال: (أول من بدأ الخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة فقال: قد ترك ما هنالك، فقال سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فقلبه وذلك أضعف الإيمان» ) [1] .
و قد دل هذا الحديث على أن لآحاد الرعية تغيير المنكر بأيديهم من وجوه.
الوجه الأول: قوله [من] وهي من صيغ العموم، و ذلك أن الخطاب موجه لكل فرد من الأمة و ليس إلى طائفة معينة منهم. وعلى من ادعى تخصيص طائفة معينة بشيء مما ورد في هذا الحديث أن يأتينا بالمخصص و أنى لهم ذلك؟
الوجه الثاني: قوله [منكم] والقائل هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الحاكم والمخاطبون بذلك هم الرعية فلو كان الذي يغير بيده هو الحاكم وحده فكيف خوطبت الرعية بذلك؟؟
الوجه الثالث: [فإن لم يستطع] يعني أن المخاطب بالأمر هو عينه المخاطب بالأمر الثاني وهو عينه المخاطب بالأمر الثالث فهو شخص واحد إن لم يستطع أن يغير بيده فله أن ينتقل إلى البدل و هو التغيير باللسان فإن لم يستطع فله الانتقال إلى البدل وهو التغيير بالقلب.
الوجه الرابع: [فإن لم يستطع] أيضًا فلو كان التغيير باليد قاصرًا على الحاكم لما كان لقوله [فإن لم يستطع] معنى، لأن الأصل في الحاكم أنه يستطيع التغيير باليد على كل حال.
ـ روى مسلم في صحيحه عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه - عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته و يقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون و يفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن و من جاهدهم بلسانه فهو مؤمن و من جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، و ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» . وفي هذا الحديث أيضًا العموم في قوله [فمن جاهدهم] فهذا خطاب عام لا مخصص له بل إنه نص في أن للرعية أن يغيروا منكرات الأمراء بأيديهم، فقد قال ابن رجب الحنبلي بعد أن ذكر الحديث السابق: (جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم، أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك وكل جائز) [2] .
ـ روى الشعبي عن علي - رضي الله عنه - أن يهودية [3] كانت تشتم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دمها [4] .
وقال ابن تيمية في الصارم المسلول هذا الحديث جيد وذكر أن الشعبي رأى عليًا و روى عنه [5] .
فهذا الرجل قتل المرأة دون إذن من النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك و نحن نرى أن هذا باب تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية كما ذكرنا سابقًا.
الأدلة من الإجماع:
ـ قال النووي في شرح مسلم: (قال العلماء و لا يختص الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك جائز لآحاد المسلمين) . قال إمام الحرمين: (و الدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من غير ولاية) شرح مسلم.
وهذا كلام عام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل درجاته ولم يخصص إمام الحرمين نوعًا منها.
(1) رواه مسلم وأبوداوود والترمذي وابن ماجة والنسائي وأحمد
(2) جامع العلوم والحكم
(3) انظر كيف أبطل الرسول دمها مع أنها معاهدة معصومة الدم
(4) رواه أبو داود
(5) راجع تفصيل ذلك في الصارم المسلول.