الصفحة 81 من 95

ـ قال القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [1] : (أجمع المسلمون في ما ذكره الإمام المالكي ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه و أنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك) [2] . فهذا الإجماع الصحيح يدل على وجوب تغيير المنكر على كل من قدر عليه سواء كان حاكمًا أو محكومًا.

فعل الصحابة رضي الله عنهم:

ـ ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم و يوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف. قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان و هو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير ابن الصلت فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت له: غيرتم و الله قال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت له: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة و جعلناها قبل الصلاة) فها هو أبو سعيد الخدري قد باشر التغيير بيده فجبذ ثوب مروان وهو الأمير يومئذ. قال النووي في شرح الحديث و فيه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وإن كان المنكِر عليه واليًا، وفيه أن الإنكار عليه يكون باليد لمن أمكنه ولا يجزئ عن اليد اللسان مع إمكان اليد.

ـ ورأى ابن عمر فسطاطًا على قبر عبد الرحمن فقال: (انزعه يا غلام إنما يظله عمله) علقه البخاري في كتاب الجنائز. و هذا أيضًا و غيره كثير من التغيير الذي وقع بغير الحاكم.

فعل التابعين:

ـ عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله يستقبلون الجواري معهن الدفوف في الطرق فيخرقونها [3] .

ـ عن أبي حصين أن رجلًا كسر طنبورًا لرجل فخاصمه إلى شُريح القاضي فلم يضمنه شيئًا. و عدم تضمين القاضي شريح لهذا الرجل يدل على أنه يجوز له كسر الطنبور.

أقوال العلماء:

أقوال المالكية:

1 ـ قال الإمام أبو بكر بن العربي عند تفسير قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ منكُمْ أمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولئكَ هُمُ المُفْلِحُون} [4] : (ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان» [5] في هذا الحديث من غريب الفقه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ في البيان بالأخير في الفعل، و هو تغيير المنكر باليد، وإنما يبدأ باللسان و البيان فإن لم يكن فباليد، يعني أن يحول بين المنكر وبين متعاطيه، ينزعه عنه و يجذبه منه، فإن لم يقدر إلا بمقاتلة أو سلاح فليتركه و ذلك إنما هو إلى السلطان، لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجًا إلى الفتنة، و آيلًا إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إلا أن يقوى المنكر،

(1) آل عمران: 21

(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن

(3) أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار.

(4) آل عمران:104

(5) سبق تخريجه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت