مثل أن يرى عدوًا يقتل عدوًا فينزعه عنه و لا يستطيع ألا يدفعه و يتحقق أنه لو تركه قتله و هو قادر على نزعه و لا يسلمه بحال و ليخرج السلاح) [1] .
و يلاحظ هنا قول الإمام أبو بكر بن العربي: (فإن لم يقدر إلا بمقاتلة و سلاح فليتركه وذلك إنما هو للسلطان) ، أي أن ما قبل ذلك من تغيير باليد من غير سلاح ليس محتاجًا إلى السلطان، و مع ذلك فقد استثنى الشيخ حالة يجوز فيها لآحاد الناس استعمال السلاح و هو أن يقوى المنكر كأن يرى رجلًا يقتل أخاه و يتحقق أنه لو تركه قتله فهنا يجوز له إشهار السلاح في تغيير هذا المنكر.
و قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ... } [2] الآية: (ولو رأى زيد عمرًا و قد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه إذا لم يكن صاحب المال قادرًا عليه و لا راضيًا به) [3] .
فانظر كيف عبر بقوله (زيد) وذلك يفيد أنه أي فرد ولا يشترط أن يكون الحاكم، وهذا قد مر بنا من قبل فيما نقله القرطبي رحمه الله من إجماع على أن تغيير المنكر واجب على كل من قدر عليه باليد فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه.
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي: (فانظروا يرحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس و يعظمون من شأنها، و يرجون البرء والشفاء من قبلها، و ينوطون بها المسامير و الخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها) [4] .
و هذا من الإمام الطرطوشي خطاب للمسلمين جميعًا، و من ادعى التخصيص فعليه الدليل و قد ذهب أئمة الشافعية والحنابلة و الحنفية إلى هذا القول كالإمام النووي نقلًا عن إمام الحرمين و القاضي عياض في شرح حديث: «من رأى منكم منكرًا» أنه يسوغ لآحاد الرعية أن يصد مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها و أن الإنكار يكون باليد لمن أمكنه و لا يجزئ عن اليد اللسان مع إمكان اليد من غير إذن السلطان. و إلى هذا أشار الإمام ابن قدامة رحمه الله والإمام الغزالي في الإحياء بعد كلام له في عدم وجوب استئذان الإمام في التغيير، قال ابن دقيق العيد قوله: (قالوا ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولاية، بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين) [5] . كذا قال الإمام الجصاص و ابن كثير وغيرهم ... وهذا كله مع مراعاة ضوابط الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
فهذا مما أشار إليه العلماء من فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم يبين بوضوح و جلاء جواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية، و إنما وقع الخلاف في ما لو وصل التغيير باليد إلى جمع الأعوان وشهر السلاح، فمنهم من أجاز التغيير عند ذلك أيضًا كالإمام الغزالي رحمه الله و منهم من منع التغيير حينئذ كالإمام الجويني.
و في مثل هذا الخلاف يمكننا ـ والله أعلم ـ أن نجمع بين الرأيين وذلك بالنظر إلى جسامة المنكر و خطورته، فإذا كان المنكر من الجسامة بحيث يترتب على بقائه مفسدة أكبر من تلك التي نتوقع من تغييره عن طريق شهر السلاح و جمع الأعوان، فلا بأس حينئذ من اللجوء إلى هذه الوسيلة في التغيير، أما إن كان المنكر أهون من ذلك فلا يلجأ حينئذ إلى تلك الوسيلة، و هذا يدخل في باب قياس المصالح و المفاسد التي سنريدها في الفصل التالي.
ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الشيخ ابن عثيمين [6] ـ رحمه الله تعالى ـ: و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يحتاج إلى أمور:
الأمر الأول: أن يكون الإنسان عالمًا بالمعروف و المنكر فإن لم يكن عالما بالمعروف فإنه لا يجوز له أن يأمر به، لأنه قد يأمر بأمر يظنه معروفًا و هو منكر و لا يدري، فلا بد أن يكون عالمًا أن هذا من المعروف الذي شرعه الله ورسوله، و لا بد أن يكون عالمًا بالمنكر أي عالمًا بأن هذا منكر فإن لم يكن عالمًا بذلك فلا ينه عنه لأنه قد ينهى عن شيء هو معروف فيترك المعروف بسببه ... إلى أن قال: فالواجب ألا تأمر بشيء إلا وأنت تدري أنه معروف و أن لا تنه عن شيء إلا وأنت تدري أنه منكر.
الأمر الثاني: أن تعلم أن هذا الرجل تارك للمعروف أو فاعل للمنكر، و لا تأخذ الناس بالتهمة أو بالظن، فإن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا} [7] الآية.
و قال في الحاشية: كثير من الظن، هو السوء بأهل الخير، قوله بعض الظن: ظن السوء بالآخرين دون دليل. قوله: لا تجسسوا: لا تتبعوا شؤون الناس الخاصة بهم مما قد يتضمن عورة من عوراتهم.
و قال أيضًا: كذلك في المنكر لا يجوز أن تنكر على شخص إلا إذا علمت أنه واقع في المنكر.
ثم قال أيضًا: إن الذي ينبغي للآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر أن يكون رفيقا بأمره رفيقا في نهيه لأنه إذا كان رفيقًا أعطاه الله سبحانه و تعالى ما لا يعطى على العنف كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» [8]
الأمر الثالث: أن لا يؤول المنكر إلى ما هو أعظم منه فإن كان هذا المنكر لو نهينا عنه آل إلى ما هو أعظم منه، فإنه لا يجوز أن ننهى عنه درءًا لكبرى المفسدتين بصغراهما، لأنه إذا تعارض عندنا مفسدتان و كانت إحداهما أكبر من الأخرى فإننا نتقي الكبرى بالصغرى ... إلى أن قال: ويذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه مر بقوم في الشام من التتار و وجدهم يشربون الخمر و كان معه صاحب له فمر بهم شيخ الإسلام و لم ينههم، فقال له صاحبه لماذا لم تنههم؟ قال: لو نهيناهم لذهبوا يهتكون أعراض المسلمين و ينهبون أموالهم و هذا أعظم من شربهم الخمر، فتركهم مخافة أن يفعلوا ما هو أنكر و أعظم هذا لا شك أنه من فقهه رحمه الله.
الأمر الرابع: اختلف العلماء رحمهم الله في اشتراط أن يكون الآمر و الناهي فاعلًا لما أمر به تاركًا لما نهى عنه، والصحيح أنه لا يشترط، و أنه يأمر بالمعروف و ينهى عن النكر و لو كان لا يفعل المعروف و لا يتجنب المنكر، فإن ذنبه عليه لكن يجب أن يأمر و ينهى، لأنه إذا ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لكونه لا يفعل المأمور ولا يترك المحظور لأضاف ذنبًا إلى ذنبه، لذا فإنه يجب عليه أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر وإن كان يفعل المنكر و يترك المعروف ... ثم إنه ينبغي للآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر أن يقصد بذلك إصلاح الخلق، وإقامة شرع الله، لا أن يقصد الانتقام من العاصي أو الانتصار لنفسه فإنه إذا نوى هذه النية لم ينزل الله البركة في أمره و لا نهيه ... اهـ
الخاتمة
بناءً على هذه الاستدلالات الجد مختصرة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - و أقوال وأفعال الصحابة - رضي الله عنهم - و التابعين وأقوال الأئمة والمفسرين، يتبين للقارئ الكريم أن شعيرة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ليست قاصرة على السلطان كما زعم وادعى (المجلس العلمي) ، بل هي لعامة أفراد الأمة بشروطها وضوابطها المذكورة.
فهي شعيرة عظيمة بل هي ركن عقد البيعة الركين بين الحاكم والرعية وجب الوفاء به، وعدم الإخلال بجزئية منه تحت أي دعوى كانت. فكيف يقصر الشارع الحكيم هذه الشعيرة على الحكام؟ مع علمه سبحانه أنه سيتسلط على هذه الأمة حكام جبريون كما صح عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - وهم الآمرون بالمنكر المعظمون لأهله، و الناهون عن المعروف المحاربون لأهله بالحديد و النار. هذا و الله لا يقول به عاقل فبالأحرى (عالم) .أيها الناس إلى متى تستباح حرماتنا و يكاد لديننا ويصال على ثوابته و رجاله و حرماته؟ إلى متى تستباح أراضينا وثرواتنا و تملأ السجون بخيارنا و يسكت علماؤنا وتنطق فينا الرويبضة؟ إلى متى يوالى أهل الأوثان و الصلبان ويعادى أهل التوحيد و الإيمان، حتى أصبحت أمتنا كالخراف يسوقها الجزارون لا تعرف أإلى المرعى تساق أم إلى المجزرة؟ اللهم إنا قد بلّغنا .. اللهم فاشهد.
(1) أحكام القرآن لابن العربي
(2) آل عمران:21
(3) تفسير القرطبي
(4) الحوادث والبدع
(5) شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد وابن دقيق العيد هو فقيه المذهبين الشافعي والمالكي.
(6) شرح رياض الصالحين المجلد الأول
(7) الحجرات: 12
(8) هذا جزء من حديث قد أخرجه مسلم في البر والصلة