هذا القتال هو أخص أوصاف أهل هذه الطائفة المنصورة، و ألصقُها بهم، فهو شعارهم و دثارهم، عكفوا عليه و تنادوا إليه، فكان التسابق زرافات ووحدانًا. وإذا ما حيل بينهم ـ لظرف طارئ ـ و بين القتال في سبيل الله، ترى همهم وشغلهم الشاغل العمل من أجل إزالة هذا الحائل و المانع، ليستأنفوا القتال في سبيل الله من جديد. تراهم يتتبعون الثغور والجبهات .. فإن أغلق ثغر .. فتحوا ثغرًا آخر.
و تظهر هذه الصفة فيهم ظهورًا جليًا واضحًا في قوله - صلى الله عليه وسلم - واصفًا حالهم: «لن يبرح هذا الدين قائمًا، يُقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة» [1] . و في قوله - صلى الله عليه وسلم: «ولا يزال من أمتي أمة يُقاتلون على الحق» [2] . وغيرها من الأحاديث العديدة التي تقدم ذكرها.
وهم إذ يقاتلون .. إنما يقاتلون في سبيل الله، لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، وليس لغاية عرقية أرضية؛ كالذين يقاتلون في سبيل الإنسانية، أو القومية، أو الوطن و الوطنية وغيرها من الشعارات الوثنية المرفوعة في هذا الزمان، التي تُعبد من دون الله .. و التي تُعبّد العبيد للعبيد .. فهؤلاء ـ غير أنهم على ضلال مبين وخطر عظيم ـ لا يجوز اعتبارهم من الطائفة المنصورة أو أن قتلاهم شهداء .. لمجرد أنهم يقاتلون .. لأنهم يُقاتلون كي تكون العزة لفلان و ليس لله عز وجل. فعن أبي موسى الأشعري قال: جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: الرجل يقاتل ليُذكر، و يقاتل ليغنم، و يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل» [3] .
صفة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر:
قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [4] .
فالأمة هنا هم طليعة الأمة الكبرى و صفوتها .. وهم الطائفة المنصورة الذي يتصدرون للمهام العظام، فيقومون بواجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و كونهم ينهون عن المنكر، يعني ذلك أنهم من أهل الشوكة و القوة، و لديهم من السلطة والمنعة ـ وإن لم تكن رسمية معترف بها من قبل الظالمين ـ ما يمكنهم من تغيير المنكر، لأن من لوازم تغيير المنكر استيفاء القوة التي تردع أهل المنكر عن منكرهم، بخلاف الأمر بالمعروف أو الدعوة إلى الخير فإنها أحيانًا لا تستلزم القوة المادية.
و تظهر هذه الصفة فيهم ـ صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ بارزة في قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله» و من أمر الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
و قال - صلى الله عليه وسلم: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء» قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس» [5] .
فهم يصلحون ما أفسد الناس، مهما كانت تكاليف الإصلاح باهظة الثمن .. لا يلتفتون إلى كثرة الجماهير و تصفيقهم .. ولا يبالون لمن وافقهم أو خالفهم .. فهمّهم الأكبر هو الإصلاح .. لا يبررون لأنفسهم ـ تحت ذرائع العجز والاستضعاف ـ مواكبة الباطل أو الركون إليه في مرحلة من مراحل المسير إلى الله .. طمعًا في كسبٍ دنيوي زهيد .. أو نظرة عطف وإحسان من طاغوت متجبر .. كما يفعل ذلك كثير ممن يسمون أنفسهم دعاة .. متسترين بمصلحة الدعوة .. فأحيوا في الأمة فقه العجز والاستضعاف و الركون إلى الظالمين .. وفقه فرض الواقع و الرضى به والتعايش معه .. و مد جسور الحوار والتفاهم مع أهل الباطل. و ما حملهم على ذلك إلا حظوظ النفس و الهوى .. و الطمع بما في أيدي الظالمين من فُتات، والفرار من تكاليف الدعوة إلى الله!
(1) مسلم
(2) النسائي
(3) متفق عليه
(4) آل عمران: 104.
(5) السلسلة الصحيحة