التقليد
مقدمة
يبدو أن أصحاب الندوة من أجهل الناس بمنظري الطائفة المنصورة، علماء و شيوخ التيار الجهادي المبارك. فمن له أدنى إطلاع على حواشي كتاباتهم، يعلم ضرورة من غير إمعان في النظر، أنهم لا يفتأون يستشهدون بعشرات أقوال الأئمة الأربعة و غيرهم. و هذا لا يمنعنا من تبيان مراتب التقليد و اختلاف أحوال المقلدين، و ضوابط ذلك، و من أجلّ الضوابط عدم تقديم رأي أحد على النص. و لا يفوتنا أن نبين أن جريرة من أنكر التقليد مطلقًا لا تقل عن جريرة المتعصبة من أتباع المذاهب و آراء الرجال. و لا نرهب من قول ما ندين الله به، و هو الاعتصام بالكتاب و السنة وإجماع الأمة وأقوال الصحابة و التابعين، و الأئمة الربانيين من أئمة المذاهب الأربعة و غيرهم.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلا} [1] .
فقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} يدل على الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. و قوله تعالى: {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} يدل كما ذكر كثير من أهل العلم على اتباع ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة و التابعين لهم بإحسان وهذا المنهج هو العاصم لمن تمسك به من الزلل، و ما زاغت الفرق المخالفة لأهل السنة و الجماعة إلا بحيدتها عن هذا المنهج القويم.
التقليد عند الأصوليين
قال الآمدي: التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة [2] .
و عرَّف التقليد كل من ابن عبد الشكور في مسلم الثبوت، و القاضي عضد الدين في شرح مختصر ابن الحاجب بأنه: (العمل بقول الغير من غير حجة) [3] .
و عرَّف الغزالي في المستصفى التقليد بأنه: قبول قول بلا حجة [4] .
و عرَّفه ابن قدامى في روضة الناظر بأنه: قبول قول الغير من غير حجة [5] .
و يراد بالمقلدين: العامة الذين لم يشتغلوا بدراسة الكتاب و السنة دراسةً تؤهلهم إلى الاستنباط.
و ينقسم التقليد إلى ثلاثة أقسام: ـ تقليد محرم ـ تقليد واجب ـ تقليد جائز.
1 ـ التقليد المحرم:
و هو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: تقليد الآباء إعراضًا عمَّا أنزل الله، كحال المشركين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
النوع الثاني: تقليد من تجهل أهليته للأخذ بقوله.
النوع الثالث: التقليد بعد ظهور الدليل على خلاف قول المقلَّد.
و الفرق بين النوع الأول و النوع الثالث، هو أن المقلِّد في النوع الأول قلد قبل تمكنه من العلم و الحجة، و المقلِّد في النوع الثالث قلد بعد ظهور الحجة له، فهو أشد معصيةً لله من النوع الأول.
(1) النساء: 59
(2) الإحكام للآمدي
(3) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت
(4) المستصفى
(5) روضة الناظر