ولقد حظي الجمع العثماني برضى من شهده من أصحاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - والتابعين، وقطع الله به دابر الفتنة التي كادت تشتعل في بلاد المسلمين، إذ جمعهم - رضي الله عنه - على ما ثبتت قرآنيته، فانتهى بذلك ما كان حاصلًا من الاختلاف بين المسلمين.
عن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقَّق عثمان - رضي الله عنه - المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعِبْ ذلك أحدٌ. (4)
وقد عُدَّ جمعُ القرآن في المصاحف في زمن عثمان - رضي الله عنه - من أعظم مناقبه.
فعن عبد الرحمن بن مهديٍّ (5) قال: خصلتان لعثمان بن عفَّانَ ليستا لأبي بكر، ولا لِعُمَرَ: صبرُهُ نفسَه حتَّى قُتِل مظلومًا، وجمعُهُ الناسَ على المصحف. (6)
وقد دافع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن عثمان في جمع القرآن وإحراق المصاحف؛ لئلا يتهمه من لا فقه له بتضييع القرآن، أو الجرأة عليه، وأخبر أنه فعل ذلك عن رضى من شهده من الصحابة، وأنه لو كان واليًا إذ ذاك لفعل مثل الذي فعل عثمان - رضي الله عنه -.
عن سويد بن غفلة قال: سمعت عليَّ بنَ أبي طالبٍ يقول: يا أيها الناسُ، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فَعَلَ الذي فَعَلَ في المصاحفِ إلاَّ عن ملأٍ منَّا جميعًا ... قال: قال عليُّ: والله لو وليت لفعَلْتُ مثلَ الذي فَعَلَ. (7)
المبحث الثالث: الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاث
نستطيع بعد هذا العرض أن نتبين الفرق بين جمع القرآن في مراحله الثلاث، فقد كان لكل مرة من مرات جمع القرآن أسباب خاصة، وكان لكل مرة أيضًا كيفية خاصة، فالفرق بين المراحل الثلاث كان من حيث الأسباب والكيفيات:
الفرق بين المراحل الثلاث من حيث الأسباب:
1.أسباب جمع القرآن في عهد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم: زيادة التوثق للقرآن، والتحري في ضبط ألفاظه، وحفظ كلماته، وإن كان التعويل في ذلك الوقت إنما كان على الحفظ والاستظهار، وتبليغ الوحي على الوجه الأكمل.