فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 254

عند الاتفاق فليكتبوا بأي لغة صحَّ أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قرأ بِها في العرضة الأخيرة، ولم ينقل إلينا أنَّهم اختلفوا في شيء إلا في لفظ (التابوت) كما مرَّ. (14)

... وأما احتجاجهم بأن الأحرف السبعة كانت في أول الأمر ضرورة لاختلاف لغات العرب، ومشقة أخذ جميعهم بلغة واحدة، فقد سبق الكلام على أن المشقة ما زالت باقية، فما زال في الأمَّةِ: (الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلامُ وَالْجَارِيَةُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ) ، بل لعلها الآن أشد مِمَّا كانت عليه فيما مضى.

... وأما قولهم إن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، فنحن نوافق على ذلك، ولكن نخالف في أن القراءة غير الحفظ، فإنه وإن لم يكن واجبًا على الأمة أن تقرأ بالأحرف السبعة جميعها، فإنه لا شكَّ أن حفظ هذه الأحرف التي هي بعض القرآن من الضياع واجبٌ على الأمة.

ويدل على بقاء الأحرف التي ثبتت في العرضة الأخيرة أيضًا أنه قد ثبت أن كُتَّاب المصاحف في زمن عثمان إنما انتسخوا ما كتبه الصديق في الصحف في مصاحف وأرسلوها إلى الأمصار، وقد علمنا أن جمع أبي بكر للقرآن لم يلغ شيئًا مِمَّا ثبت في العرضة الأخيرة باتفاق، فثبت بذلك أن جمع عثمان لم ينقص شيئًا مِمَّا جمع في زمن أبي بكر - رضي الله عنه -.

عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: ... فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِها حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ ابْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ. (15)

ويردُّ دعوى أن عثمان - رضي الله عنه - إذ نسخ المصاحف ألغى الأحرف الستة واقتصر على حرف واحد -أنه لم يرد في خبر صحيح، ولا ضعيف أنه - رضي الله عنه - أمر كُتَّاب المصاحف أن يقتصروا في كتابتها على حرف واحد، ويلغوا الستة الباقية. (16)

ويردُّ هذه الدعوى أيضًا أنه لو صحَّ أن عثمان - رضي الله عنه - جمع الناس على حرف واحد، وألغى الستة الباقية، وأجمع معه على ذلك الصحابة لكان ذلك كافيًا في القطع بالْمراد بالأحرف الستة، ولَمَا اختلف العلماء بعد ذلك في المراد منها كل هذا الاختلاف، ولَمَا حصل خلاف بعد الإجماع الأول في بقاء الأحرف السبعة من عدمه، إذ الإجماع حجة عند المسلمين، ولا يسوغ بعده خلافٌ. (17)

ومِمًّا يرد به هذا القول أيضًا أنه يحمل طعنًا في الصحابة - رضي الله عنهم -، واتِّهامًا لهم بالتصرف برأيهم في كتاب الله تعالى، ولا يكاد يصدق مؤمنٌ يعلم قدر الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنَّه قرر برأيه إلغاء الأحرف الستة والإبقاء على حرف واحد، ولا يكاد يتصور أيضًا أن الصحابة - رضي الله عنهم - وهم كثرة كاثرةٌ في ذلك الوقت يقرونه على ذلك الفعل.

والخلاف الذي زعموا أنه استدعى إلغاء تلك الأحرف كان قد حصل مثله في زمن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، كما جاء في الروايات التي أوردناها قريبًا في أول هذا الباب، فلم يؤدِّ إلى إلغاء الأحرف المنَزلة، بل أرشدهم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى أن القرآن أنزل على جميع تلك الأوجه، وأقر كل واحد من المختلفين على قراءته. (18)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت