على أنه - صلى الله عليه وسلم - أسقطها نسيانًا لا عمدًا، فلا محل لما أوردوه من أنه - صلى الله عليه وسلم - قد يكون أسقط عمدًا بعض آيات القرآن.
قال النووي: قوله - صلى الله عليه وسلم:"كنت أُنْسِيتُها"دليل على جواز النسيان عليه - صلى الله عليه وسلم - فيما قد بلَّغه إلى الأمة. (41)
وترد هنا مسألة وقوع النسيان من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي الْمسألة الآتية.
مسألة وقوع النسيان من النبي - صلى الله عليه وسلم -
وقوع النسيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون على قسمين:
الأول: وقوع النسيان منه - صلى الله عليه وسلم - فيما ليس طريقه البلاغ.
فهذا جائز مطلقًا لما جُبل عليه - صلى الله عليه وسلم - من الطبيعة البشرية.
والثاني: وقوع النسيان منه - صلى الله عليه وسلم - فيما طريقه البلاغ.
وهذا جائز بشرطين:
الشرط الأول: أن يقع منه النسيان بعد ما يقع منه تبليغه، وأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلًا.
قال النووي في شرح قوله - صلى الله عليه وسلم:"كنت أُنْسِيتُها": دليل على جواز النسيان عليه - صلى الله عليه وسلم - فيما قد بلَّغه إلى الأمة. (42)
الشرط الثاني: أن لا يستمر على نسيانه، بل يحصل له تذكره: إما بنفسه، وإما بغيره. (43)
وقال القاضي عياضٌ (44) - رحمه الله: جمهور الْمحققين على جواز النسيان عليه - صلى الله عليه وسلم - ابتداءً فيما ليس طريقه البلاغ، واختلفوا فيما طريقه البلاغ والتعليم، ولكن من جوز قال: لا يُقَرُّ عليه، بل لا بد أن يتذكره أو يُذَكَّره. (45)
ونسيان النبي - صلى الله عليه وسلم - لشيء مِمَّا طريقه البلاغ يكون على قسمين أيضًا:
قال الإسماعيلي: (46) النسيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - لشيء من القرآن يكون على قسمين:
أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قربٍ، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مسعود في السهو: إنَّما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون. (47)