الصفحة 20 من 47

فهذه حوارات متعددة بين النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وبين النَصَارَى، أبان لهم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الحق، وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وبعد أن أوضح لهم الحق جليًا، وأبان لهم الحجةَ وأزال عنهم الشُّبهةَ، وأبوا قبول الحق وجه الله تعالى رسوله الكريم إلى أن ينهي الجدل والمناظرة مَعَ أولئك النَصَارَى حول هذه القضية الواضحة، وحول هذا الحق البين، وأن يدعوهم إلى المُبَاهَلَةِ بعد ظهور البيانِ.

فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم من كانوا يناظرونه في هذه القضية إلى هذا الاجتماع الحاشد، ليبتهل الجميع إلى الله أن ينزل لعنته على الكاذب من الفريقين. فخافوا العاقبة وأبوا المباهلة. وتبين الحق واضحًا. ولكنهم فيما ورد من الروايات لم يُسْلِمُوا احتفاظًا بمكانتهم من قومهم، وبما كان يتمتع به رجال الكنيسة من سلطان وجاه ومصالح ونعيم!!! وما كانت البينة هي التي يحتاج إليها من يصدون عن هذا الدين، إنما هي المصالح والمطامَعَ، والهوى يصد الناس عن الحق الواضح الذي لا خفاء فيه [1] .

ويتبين من هذا الحوار أن أساس الحوار بين أَهْل الْكِتَابِ دعوتهمِ إلى كلمة سواء: إلى عبادة الله وحده، وعدم الإشراك به، وألا يتخذ الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله. . وإلا فهي المفاصلة التي لا مصاحبة بعدها ولا مجادلة:

(قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (( آل عمران:64) .

وإنها لدعوة منصفة من غير شك، دعوة لا يريد بها النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أن يتفضل عليهم هو ومن معه من الْمُسْلِمِينَ. . كلمة سواء يقف أمامها الجميع على مستوى واحد. لا يعلو بعضهم على بعض، ولا يتعبد بعضهم بعضًا. دعوة لا يأباها إلا متعنت مفسد، لا يريد أن يفيء إلى الحق القويم.

إنها دعوة إلى عبادة الله وحده لا يشركون به شيئًا. لا بشرًا ولا حجرًا. ودعوة ألا يتخذ بعضهم بعضًا من دون الله أربابًا. لا نبيًا ولا رسولًا. فكلهم لله عبيد. إنما اصطفاهم الله للتبليغ عنه، لا لمشاركته في الألوهية والربوبية، (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (( آل عمران: الآية64) . فإنَّ أبوا عبادة الله وحده دون شريك. والعبودية لله وحده دون شريك. وهما المظهران اللذان يقرران موقف العبيد من الألوهية. . إن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون. [2]

(1) في ظلال القرآن لسيد قطب (1/ 405) .

(2) السابق (ا/406)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت