وتدل هذه الحوارات على"جواز مجادلة أَهْل الْكِتَابِ ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة، فليولِ ذلك إلى أهله" [1] .
ويدل إرسال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أبي عبيدة مَعَ وفد نَجْرَان، وكذلك إرساله المغيرة بن شعبة بعد ذلك على أن من يرسل إلى أَهْل الْكِتَابِ ويتعرض لمناظرتهم ومجادلتهم ينبغي أن يكون أمينًا، وهو الذي لا غرض له ولا هوى، وإنما مرادُه مجردُ مرضاة الله ورسوله، لا يشوبُها بغيرها، فهذا هو الأمين حقُّ الأمين، كحال أبى عُبيدة بن الجرَّاح.
وتدل حادثة المغيرة ابن شعبة وسؤال النَصَارَى له على مناظرة أَهْل الْكِتَابِ، وجوابهم عما سألوه عنه، فإنَّ أشكل على المسؤول، سأل أهل العلم. [2] .
وتدل الحوارات السابقة أنَّ السُّنَّة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حُجَّةُ اللهِ، ولم يرجعوا، بل أصرُّوا على العناد أن يدعوهم إلى المُبَاهَلَةِ، وقد أمر اللهُ سبحانه بذلك رسولَه صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: إنَّ ذلك ليس لأُمتك مِن بعدك [3] .
اعتراض ومناقشة:
وقد تعرض موريس بورمانس، وهو أحد دعاة الحوار بين النَصَارَى والْمُسْلِمِينَ في العصر الحديث، لحادثة المباهلة المذكورة في آية سورة آل عمران، والتي ذكرناها في الحوار السابق، واصفًا إياها بأنَّها بدايةٌ مأساويةٌ للحوار الإسلامي المسيحي، حيث يقول في كتابه"توجيهات في سبيل الحوار بين المسيحيين والْمُسْلِمِينَ"عند تقويمه للعلاقات الإسلامية بأَهْل الْكِتَابِ في العهد النبوي:"إنَّ الإسلام الذي نشأ في شبه جزيرة العرب متصديا للشرك المكي، كان بوسعه أصلا الاعتقاد بأنه النسيب الداني أو القاصي لليهودية القائمة في يثرب، وفي غيرها من المدن. أو الجار الذي تربطه أواصر الود والتكامل مَعَ تلك الجماعات في اليمن والحبشة القائلة بالطبيعة الواحدة، أو مَعَ تلك الكنائس النسطورية في الامبراطورية الساسانية واليعقوبية أو الملكية في الامبراطورية البيزنطية، ولكن سرعان ما اعتمد أسلوب التحريم والنبذ، فلم يعد الحوار الإسلامي المسيحي الذي بدأ مأسويا عند مباهلة المدينة حين خضع مسيحيو نَجْرَان للدولة الإسلامية الفتية، وقبلوا عهد الذمة التي فرضته، سوى سلسلة من المصادمات السياسية أو الثقافية أو الدينية، أوجدت فيها المماحكات الجدلية، والتحديات الأيدلوجية،"
(1) زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 639) .
(2) زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 642) .
(3) السابق (3/ 643)