رخصة، وهو أن يعتمد الكتاب فإن نظر فيه وتذكر ما كان مسموعًا له صار كأنه حفظه من وقت السماع إلى وقت الأداء؛ لأن التذكر بمنزلة الحفظ، فيكون حجة سواء كان بخطه أبو بخط غيره، أما إن لم يتذكر من الخط شيئًا فلا تحل له الرواية؛ لأن الخط وضع لتذكرة للقلب، كالمرآة للعين، فلا عبرة للمرآة إذا لم ير الرائي بها وجه، فكذا لا عبرة للكتاب إذا لم يتذكر القلب به علمًا؛ لأن الخط يشبه الخط (1) .
الثالث: طرف الأداء، وله جانبان:
عزيمة، وهو أن يؤدى على الوجه الذي سمع بلفظه ومعناه، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع منا شيئًا فبلغه كما سَمِع، فربَّ مبلغ أوعى من سامع) (2) .
رخصة، وهو أن ينقله بمعناه: أي بلفظ آخر يؤدّي معنى الحديث، وهذا صحيح عند العامة، فعن سليمان بن أكيمة الليثي قال: (أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا له: بآبائنا أنت وأمهاتنا يا رسول الله إنا نسمع منك الحديث فلا نقدر أن نؤديه كما سمعناه فقال: إذا لم تحلوا حرامًا ولم تحرموا حلالًا،وأصبتم المعنى فلا بأس) (3) ، وهذا الجانب في قبوله تفصيل:
إن كان محكمًا لا يحتمل إلا معنى واحدًا يجوز نقله بالمعنى لمن له معرفة في وجوه اللغة: كنقل قعد إلى جلس، والاستطاعة إلى القدرة.
(1) هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعندهما والشافعي: يجوز له الرواية ويجب العمل بها، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - يجوز الاعتماد على الخط إن كان في يده أو في يد أمينة ولا يجوز إن كان في يد غيره؛ لأنه لا يؤمن عن التغيير، وعن محمد - رضي الله عنه - يجوز العلم بالخط وإن لم يكن في يده فذهب إليه رخصة تيسرًا على الناس. ينظر: نور الأنوار 2: 41، وشرح ابن ملك 2: 658.
(2) في سنن الترمذي 5: 34، وصححه.
(3) في المعجم الكبير 7: 100، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 384: لم أر من ذكر يعقوب وأباه.